الصفحة الرئيسية / الإمارات العربية المتحدة / من الماضي الى الحاضر / الإمارات والإخوان: قصة الخصومة والبغضاء

الإمارات والإخوان: قصة الخصومة والبغضاء

UAE- Muhammad bin Zayed with Saudi king Salman
الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية، يستقبل الملك السعودي سلمان، أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة، 3 ديسمبر 2016. Photo AP

منذ أكثر من عقدين من الزمن ودولة الإمارات العربية المتحدة تتزعم الحرب التي تشن على كل أشكال وأنماط ما بات يعرف بحركات الإسلام السياسي في الخليج وما بعد الخليج. والهدف الأول للإمارات في هذه الحرب هو جماعة الإخوان المسلمين، التي تعتبر من أهم تجليات الحراك الإسلامي السياسي.

إلا أن العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين والعائلات الحاكمة في الإمارات السبع، بما في ذلك حكام أبو ظبي آل نهيان أقواهم وأكثرهم نفوذاً، كانت تتسم في بداياتها قبل ما يزيد عن أربعين عاماً بالود.

كغيرها من الدول الخليجية، جلبت الإمارات في خمسينيات وستينيات القرن العشرين أعداداً كبيرة من العاملين في مختلف المهن والحرف من العالم العربي، وبالذات من مصر وسوريا والأردن وفلسطين، وكان من أهم القطاعات التي جيء بهؤلاء ليعملوا فيها قطاع التعليم، الذي كان بحاجة إلى عدد كبير من المدرسين المؤهلين ليسدوا حاجة آلاف التلاميذ والطلاب في التعلم. كان بعض هؤلاء الوافدين العرب يحملون معهم بضاعة فكرية جاءوا بها من بلادهم، فبعضهم كان قومياً (ينتسب إلى الناصرية أو إلى البعث) بينما كان آخرون من الإسلاميين (معظمهم من منتسبي جماعة الإخوان المسلمين وقلة من منتسبي حزب التحرير الإسلامي). وبطبيعة الحال، سعى هؤلاء الوافدون بما لديهم من قناعات إلى التأثير على طلابهم وعلى من اختلطوا بهم من أهل البلاد.

مباشرة بعد الاستقلال في عام ١٩٧١، بدأت بالعودة إلى الإمارات وفود الطلبة الذين كانوا قد ابتعثوا للدراسة في جامعات ومعاهد الدول العربية الأخرى ومنها مصر والكويت، وكان بعض هؤلاء الطلبة خلال دراستهم في تلك البلدان قد تعرفوا على جماعة الإخوان المسلمين وحملوا فكرها. وفي عام ١٩٧٤ بادرت مجموعة منهم بتأسيس جمعية الإصلاح تأسياً بأقرانهم في الكويت، التي كانت سباقة في مجال النشاط الإسلامي في منطقة الخليج.

شهدت الإمارات خلال عقد السبعينيات نشاطاً لمختلف الفئات الفكرية، وهذه لم يكن يسمح لها بالنشاط فحسب بل كانت تلقى الحفاوة والتشجيع، وسارع بعضها إلى الاستفادة من قانون جديد يسمح بتأسيس الهيئات الاجتماعية والثقافية والإعلامية والرياضية، التي كانت جميعها تستفيد بعد تأسيسها من أجواء التسامح السائدة في البلاد. ومن المنظمات التي تأسست في وقت مبكر اتحاد الطلبة، الذي كان في مهده ثمرة جهود لطلبة من ذوي الميول القومي والناصري، ثم ما لبث في الانتخابات الطلابية التي جرت عام ١٩٨١ أن استلمت قيادته مجموعة من الطلاب تمثل التيار الإسلامي الذي ظل مهيمناً عليه لسنوات بعد ذلك.

دُعي الطلبة الإسلاميون بعد فوزهم في الانتخابات للقاء مع رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد آل نهيان، وكان من ضمن المجموعة الشاب سلطان بن كايد القاسمي، أحد أفراد العائلة الحاكمة في إمارة رأس الخيمة، والذي أصبح فيما بعد رئيساً للحركة الإسلامية في الإمارات. (اعتقل سلطان في إبريل / نيسان ٢٠١٢ وحوكم ضمن المجموعة التي اتهمت بالانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين ومازال يقضي حكماً بالسجن). على الرغم من أن الاتحاد لم يصبح كياناً رسمياً إلا أنه حظي بالترحيب والتشجيع من رئيس الدولة ومارس نشاطه لسنوات دون عوائق. وكان الأمر ذاته ينطبق على منتسبي التيار الإسلامي الذين انخرطوا في مجموعة من النشاطات الاجتماعية والثقافية وكانوا ينظمون المخيمات والرحلات الكشفية متى ما شاءوا وفي مختلف أنحاء البلاد.

سعت دولة الإمارات العربية المتحدة في عقد الثمانينيات إلى إعادة تنظيم أجهزتها الأمنية، واستعانت في ذلك بضابط أمن مصري سابق اسمه فؤاد علام، يتهمه كثيرون في جماعة الإخوان المسلمين المصرية بأنه كان شخصياً يمارس في حقهم التعذيب أثناء التحقيق معهم أيام الحقبة الناصرية. تصادف هذا التطور مع زيادة حمى التنافس على المستوى الثقافي والفكري والسياسي بين منتسبي التيار الإسلامي ومنتسبي التيارات القومية والناصرية.

ما أن أزف عقد الثمانينيات على الأفول حتى تغير المزاج في الإمارات، وخاصة في إمارة أبو ظبي، التي بات المسؤولون فيها يبادرون منتسبي التيار الإسلامي بالريبة، وينتابهم شعور بأن هذه النخبة يمكن أن تشكل في المستقبل تهديداً للمنظومة الحاكمة. وقد عزز من هذه الشكوك والمخاوف خصوم للتيار الإسلامي الذين غدا بعضهم في تلك الفترة يحتل مناصب نافذة داخل مؤسسات الدولة.

انتهى شهر العسل الذي عاش فيه الإسلاميون في عهد الشيخ زايد آل نهيان تقريباً في عام ١٩٨٧، بعد أن سطع نجم ابنه محمد بن زايد – الثالث من حيث الترتيب العمري بين الأبناء الذكور، والذي كان يطمح في تجاوز شقيقيه ليصبح الوريث لأبيه في الحكم. يزعم المعارضون الإماراتيون أن محمد بن زايد تشبع بالكراهية للإخوان والتوجس من خطرهم المحتمل بفضل تأثير مدربيه ومعلميه الذين كانوا يكنون مشاعر البغض والخصومة للإخوان.

في نفس ذلك العام، حاول محمد بن زايد خلع حاكم الشارقة الشيخ سلطان القاسمي، الذي عرف عنه نقده اللاذع والعلني لبعض السياسات التي تنتهجها الحكومة المركزية في أبو ظبي. ويقال بأن حكام أبو ظبي ازدادوا حنقاً عليه حينما اتخذ قراراً في عام ١٩٨٥ بمنع الخمور في إمارة الشارقة، لأنهم اعتبروا ذلك تشجيعاً منه أو رضوخاً للتيار الإسلامي المتنامي، وخطوة يمكن أن يفهم منها أن إمارة أبو ظبي أقل التزاماً من الناحية الإسلامية من إمارة الشارقة. كان محمد بن زايد ينوي استبدال حاكم الشارقة هذا بشقيقه عبد العزيز، إلا أن الخطة باءت بالفشل نظراً لمعارضة إمارة دبي لها خشية أن يصبح استبدال الحكام بهذه الطريقة سابقة تتكرر في المستقبل. ويبدو أن محمد بن زايد راودته شكوك في أن التيار الإسلامي في الإمارات كان منحازاً لصالح حاكم الشارقة.

في مطلع التسعينيات، وبتوجيه من مستشاريه ضباط الأمن المصريين السابقين، استلم محمد بن زايد مقاليد الأمور في جهاز الأمن الإماراتي، ومنذ ذلك الوقت بدأت الأمور في التردي بالنسبة للتيار الإسلامي.

شهد عقد التسعينيات تطبيقاً لخطة عرفت باسم “تجفيف الينابيع” وذلك لعزل الإسلاميين وحرمانهم من شغل المناصب العليا في مؤسسات الدولة والحد من نشاطاتهم الجماهيرية. ولم يسلم من هذه الخطة أحد من الإسلاميين، بما في ذلك حتى أولئك الذين لم يعرف عنهم الاهتمام بقضايا السياسة مثل جماعة التبليغ. نجم عن هذه الخطة إغلاق عدد من الجمعيات الخيرية ومؤسسات المجتمع المدني التي تنشط في الجانب الاجتماعي، بما في ذلك جمعية أبو ظبي الخيرية، ولجنة الإغاثة الإسلامية، وعدد من صناديق الزكاة المحلية. ثم صدر أمر بتوقيف ومنع حلقات تحفيظ القرآن الكريم في المساجد، ونال المنع في عام ١٩٩٢ مشروعاً صيفياً وطنياً لتحفيظ القرآن الكريم عرف باسم مشروع الشيخ زايد للقرآن الكريم، والذي كان حينما بدأ في عام ١٩٨٢ مشروعاً مشتركاً بين وزارة الأوقاف ووزارة التربية والتعليم. وفي عام ١٩٩٤ صدر أمر بحظر ومصادرة جمعية الإصلاح وعدد من فروعها في مختلف أنحاء الإمارات.

وفي نفس تلك الفترة، أي في مطلع التسعينيات، تعرض عدد من الوافدين العرب للاعتقال والترحيل بسبب ميولهم الإسلامي. ومن الأحداث الصادمة في عام ١٩٩٢ اعتقال شاب فلسطيني اشتبه بأن له علاقة بحركة المقاومة الإسلامية حماس. تعرض الشاب أثناء فترة اعتقاله، وقبل أن يرحل إلى الأردن، لتعذيب شديد كان المحققون أثناء ذلك يسعون إلى انتزاع معلومات منه عن نشاطات حركة حماس داخل المناطق المحتلة. وقد يفهم من هذه الحادثة أن جهاز الأمن في أبو ظبي كان يقوم بهذه المهمة في الأغلب بتكليف من جهات خارجية تستهدف حماس وتعتبرها منظمة إرهابية.

تبع ذلك في منتصف التسعينيات إلقاء القبض على الشيخ عبد المنعم العلي، العالم العراقي الذي كان يقيم في الإمارات واشتهر في كتاباته باسم محمد أحمد الراشد، وهو واحد من أبرز قيادات جماعة الإخوان المسلمين العراقية. مكث الشيخ العلي في المعتقل عاماً واحداً قبل أن يطلق سراحه، إثر تصاعد الاحتجاجات الشعبية حول العالم، ويرحل إلى خارج البلاد. لم توجه له أي تهم ولم يقدم للمحاكمة، ولكن ثمة شكوك بأن ما تعرض له كان يتعلق بنشاطاته الفكرية وتأثيرها على منتسبي التيار الإسلامي داخل البلاد وخارجها.

سعياً منه لترسيخ نفوذه وتعزيز موقعه، أمر محمد بن زايد في عام ١٩٩٤ بتأسيس مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، حتى يكون العقل المدبر لدولة الإمارات الحديثة. وما لبث المركز سريعاً أن صار له نفوذ هائل في عملية صنع القرار وفي داخل مؤسسات الدولة الحيوية بما في ذلك وزارة الخارجية ووزارة الداخلية وجهاز الأمن وحتى ديوان الرئاسة. بمعنى آخر، أصبح هذا المركز هو الذي يضع السياسات العامة للبلاد بأسرها.

في تلك الأثناء استمر العمل بخطة تجفيف منابع النشاط الإسلامي وتصاعدت وتيرته، حتى وقعت في عام ١٩٩٧ أول حادثة اعتقال لمواطنين إماراتيين اثنين كانا يخطبان الجمعة. منذ ذلك الوقت، كلما جمع محمد بن زايد في يديه المزيد من الصلاحيات كلما ازدادت ضراوة الحملة على الإسلاميين.

ثمة إجماع على أن الشيخ زايد رحمه الله، الذي وافته المنية في الثاني من نوفمبر / تشرين الثاني ٢٠٠٤، قضى السنوات الأخيرة من عمره بلا سلطات فعلية، بل كانت كل السلطات والصلاحيات قد جمعت لابنه محمد بن زايد. ولذلك فقد شهد العام الذي سبق وفاة رئيس الدولة تصاعد الهجمة على جماعة الإخوان المسلمين في الإمارات، وذلك على إثر زيارة قام بها وفد من الجماعة بقيادة سلطان بن كايد القاسمي إلى مقر محمد بن زايد بناء على طلبه. وفي اللقاء فوجئ الوفد بمحمد بن زايد يقول لهم إنه لم يعد ممكناً لهم أن يزاولوا أي نشاط كجماعة، وأن عليهم أن يحلوا أنفسهم حالاً، وأن يقدموا له قائمة بأسماء منتسبي الحركة، وأن يعيشوا كمواطنين فرادى دون أي انتماءات أو ارتباطات منظمة.

رفضت المجموعة الإنذار الذي وجه إليها، ودافعوا عن سجل جماعتهم التي لم يصدر عنها طوال تاريخها ما يسيء إلى الدولة أو المجتمع أو يهدد الأمن، وطلبوا من محمد بن زايد أن يعيد إليهم جمعية الإصلاح التي صودرت منهم في عام ١٩٩٤ حتى يزاولوا من خلالها نشاطاتهم العامة.

إلا أن ابن زايد رد عليهم بإصدار أمر بسحب الجنسية من سبعة من رموز الجماعة، وكان من هؤلاء الدكتور علي حسين الحمادي، أحد أبرز الأكاديميين في الإمارات ومؤسس معهد التنمية الإدارية.

رغم الحملة وما صاحبها من قيود إلا أن الحركة الإسلامية ظلت متماسكة وإن كان نشاطها قد شهد تقلصاً وتباطؤاً نسبياً، ومالت الأمور نحو الهدوء. ولكن، وبمجرد انطلاق شرارة ثورات الربيع العربي في تونس ثم في مصر في عام ٢٠١١، كشرت سلطات الإمارات عن أنيابها، وشنت هجوماً كاسحاً شمل اعتقال عدد كبير من قيادات وأفراد الحركة الذين تعرضوا للتحقيق والتعذيب ثم وجهت لهم قائمة بتهم زائفة وحكم على عدد منهم بالسجن مدداً تصل إلى خمسة عشر عاماً. وقد نجمت هذه الحملة عن تشريد عدد من رموز الجماعة وأعضائها خارج البلاد، وهؤلاء صدرت بحق معظمهم أحكام غيابية بالسجن لمدد طويلة.

منذ ذلك الحين انتهجت دولة الإمارات العربية المتحدة سياسة من أولوياتها محاربة جماعة الإخوان المسلمين محلياً وإقليمياً وعالمياً. ولقد شاركت مع المملكة العربية السعودية في تمويل الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد مرسي، كما أنها تسعى جاهدة، وبكل ما أوتيت من إمكانيات، لضمان عدم وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة في أي مكان. كما سخرت الإمارات قوتها المالية وعلاقاتها التجارية والدبلوماسية للضغط على صناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوروبا الغربية لتقييد نشاط جماعات الإسلام السياسي بشكل عام والإخوان المسلمين بشكل خاص.

لا يوجد سبب واضح لهذه العداوة الشديدة والكراهية العميقة التي تبديها دولة الإمارات العربية المتحدة للإخوان سوى شخصية محمد بن زايد وطريقة تفكيره، وذلك أنه بما رآه من إقبال الناس على فكر جماعة الإخوان المسلمين ومن رواج منهجهم في الإصلاح والتغيير، وما خبره من قدرة أعضائها في بلاده على التأثير على المسؤولين في الحكومة حينما تتاح لهم الحرية، فقد تشكلت لديه قناعة راسخة بأن الحركة تشكل تهديداً وجودياً على ملكه.

اعتمد الكاتب في هذا المقال على شهادات لاثنين من رموز التيار الإسلامي في دولة الإمارات العربية المتحدة كانا قد تقدما بها من خلال برنامج مراجعات على قناة الحوار الفضائية. أما الأول فهو حسن الدقي، وأما الثاني فهو سعيد ناصر الطنيجي: