الصفحة الرئيسية / تركيا / السكان

السكان

إسطنبول عام 2012 / Photo Fanack
إسطنبول عام 2012 / Photo Fanack

المحتويات

    Loading index...

المقدمة

في نهاية عام 2011، ارتفع إجمالي عدد السكان في تركيا إلى 74,724,269 نسمة (13,648,270 عام 1927؛ و 18,790,174 عام 1945؛ و 31,391,421. عام 1965؛ و 50,664,458 عام 1985)، 50,2% منهم من الرجال (37,532,954) و 49,8% من النساء (37,191,315). كان متوسط عمر الفرد 29,7 عاماً، و 5,490,715 شخصاً دون الرابعة عشر من العمر. وكان معدل النمو السنوي 1,2%، والكثافة السكانية 97 شخصاً / كم2.

وفق الإحصاءات الرسمية، 88% من السكان يجيدون القراءة والكتابة، غير أن 71,4% فقط من الإناث ما فوق 6 أعوام يجيدون القراءة والكتابة. عام 2011، كان نصف عدد السكان في تركيا دون 30 عاماً، و 3,340,453 شخصاً تراوحت أعمارهم ما بين 65-74 عاماً، وأقل من مليون ما بين 75-89 عاماً، وأقل من 500,000 ما فوق 90 عاماً. وبالتالي، عدد الأشخاص “الخاملين” (18 عاماً وما فوق) أقل من 5 ملايين شخص، أي 6,8% من إجمالي عدد السكان.

وفق بيانات المعهد الإحصائي التركي، ارتفع معدل المواليد من 2,07 للمرأة الواحدة عام 2009 إلى 2,03 عام 2010. معدل المواليد الإجمالي 17,6‰ لكل 1000 شخص، غير أنه ثمة اختلافات كبيرة بين المناطق، تتراوح بين 11,4‰ غرب مرمرة و 27,3‰ جنوب شرق الأناضول. قد نتوقع نمواً كبيراً للسكان الأكراد في العقدين أو العقود الثلاثة القادمة: حالياً حوالي 15 مليون نسمة.[/two_third]

 تركيا السكان تركيا السكان

المناطق المأهولة

أدت الهجرة الريفية الكثيفة التي شهدتها العقود الأخيرة إلى تغييرات على الخارطة الإدارية للجمهورية (التي تتألف من 7 مناطق) وأرغمت علماء الإحصاء على اعتماد تقسيمات مناطقية جديدة لإظهار التركيبة السكانية في تركيا. ليس لهذه المناطق السكانية الجديدة أية قيمة إدارية بحد ذاتها، غير أنها تظهر تأثير الاتجاهات السكانية الجديدة التي ظهرت في البلاد منذ الستينيات.

الأكراد في تركيا

شهد عام 2014 دخول الأكراد، أحد أقدم الشعوب في الشرق الأوسط، دائرة الضوء بسبب دفاعهم الشرس عن أراضيهم ضد هجمات “تنظيم الدولة”، حيث غدت بلدة كوباني السورية الكردية رمزاً للمثابرة ووحدة الصف.

التركيبة العرقية والدينية

تاريخ علم السكان في تركيا معقد وهام إلى حد كبير. أظهر العديد من الباحثين المدى الذي تم فيه تطوير هندسة سكانية جديدة تهدف إلى توحيد البلاد على الصعيد الديني ومن ثم اللغوي، وذلك في الفترة الممتدة بين عهد عبد الحميد الثاني (1876- 1909) ونهاية الحكم الكمالي عام 1945. عام 1914، كان حوالي 20% من سكان تركيا من غير المسلمين، مقارنة بنسبة 1% في يومنا هذا. يعود أصل حوالي 40-50% من سكان تركيا الحاليين إلى البلقان أو القوقاز.

نظراً إلى غياب الأسئلة المتعلقة باللغة الأم أو التعريف الذاتي للأشخاص في الإحصاءات التي أجريت بعد عام 1965، اضطر المراقبون إلى الاعتماد على تقديرات تقريبية فيما يتعلق بالتركيبة العرقية واللغوية في تركيا. كان الأتراك يشكلون الأغلبية الساحقة: حوالي 80% من إجمالي عدد السكان؛ يليهم الأكراد الناطقون باللغتين الكرمانجية والزازاكية: 18% من إجمالي عدد السكان. (عام 1927، ارتفع إجمالي عدد السكان في تركيا إلى 13,648,270 نسمة، وصرح 1,184,446 منهم أن اللغة الكردية هي لغتهم الأم. عام 1965، ارتفع هذا الرقم إلى 2,219,502 نسمة من أصل إجمالي عدد سكان البالغ 31,391,421 نسمة. لكن منع حظر التعبير عن الهوية الكردية العديد من الناطقين باللغة الكردية من الاعتراف بلغتهم الأم في هذين الإحصاءين. يعرّف الاختصاصيون اللغتين الكرمانجية والزازاكية (أو زازا أو ديملي) على أنهما لغتان أو لهجتان كرديتان من اللغات الهندية الأوروبية.

يعيش اللازيون، الناطقون بلغة تنتمي إلى عائلة اللغات القوقازية الشمالية والذين لا يتعدى عددهم 200,000 شخص، بشكل خاص على ساحل البحر الأسود. وتناقص عدد الناطقين باللغة العربية في المناطق الجنوبية من البلاد (أضنة ومرسين وهتاي وماردين) بشكل كبير. واستقرت مجموعات عديدة – مثل الأبخازيين والشراكس القوقازيين والألبان والبوشناق – في إسطنبول أو الأناضول نتيجة الحروب وتنقلات الشعوب في القرنين التاسع عشر والعشرين. ويعتبرون أتراكاً، إلا أنهم حافظوا على بعض الخصائص والمهارات اللغوية، بما في ذلك تفضيل زواج الأقارب.

التركيبة الدينية

نظراً إلى غياب المعطيات الموثوقة فيما يتعلق بالتركيبة الدينية في تركيا، يتعين علينا الاكتفاء بالاعتماد على تقديرات تقريبية: يشكل المسلمون السنّة الأغلبية الساحقة (80-85%)، في حين تشكل الطائفة العلوية، التي نشأت نتيجة الاختلافات الدينية في القرن السادس عشر، الأقلية الدينية الأكبر. غير أن الديانة العلوية المبنية عقيدتها على ثالوث يشمل الله ومحمد وعلي كما عقيدة “وحدة الوجود”، لم تعترف بها الدولة التي تعترف فقط بالإسلام السنّي وفق المذهب الحنفي. وتشمل الأقليات الأخرى: الشيعة (حوالي 100,000 نسمة) والأكراد اليزيديين، فرع من المانوية.

منذ بداية الإمبراطورية العثمانية، تمحور الإسلام في تركيا حول مجموعتين: العلماء والجمعيات الدينية الصوفية. تم دمج العلماء، الذين كانوا موظفي خدمة مدنية وينتمون إلى “الطبقة العسكرية” (أي الطبقة الحاكمة الوجيهة والمعفية من الضرائب) – في الدولة مباشرة، وكانوا يعملون كرجال دين وقضاة، ومسؤولين عن العقوبات والأنظمة الداخلية. ومن جهة أخرى، لم تشكل الجمعيات الدينية الصوفية جزءً من الدولة، وكانت تتمتع باستقلالية فعلية أتاحت لها إنشاء التكايا والزوايا والشبكات الاجتماعية. وبينما كانت الجمعيات الدينية تحاول بشكل عام تجنب أية مواجهة مباشرة مع السلطات، إلا أنها لعبت في بعض الأحيان دور المعارضة السياسية أو حتى المسلحة. وكانت النقشبندية والقادرية والمولوية والبكداشية والجراحية والخلوتية من بين الجمعيات الدينية الأكثر أهمية في ظل الإمبراطورية العثمانية.

لا تزال معظم هذه الجمعيات الدينية ناشطة في الجمهورية التركية حتى الآن. وقد لعبت إحداها دوراً سياسياً هاماً منذ القرن التاسع عشر: الجمعية النقشبندية التي أسسها بهاء الدين نقشبند البخاري (1318 – 1389)، والتي قام الشيخ الكردي مولانا خالد البغدادي (1779-1827) بتجديدها بشكل جذري في القرن التاسع عشر. حصلت هذه الجمعية على دعم عثماني في ظل حكم السلطان عبد الحميد الثاني (حكم 1876 – 1909)، إلا أنها شكلت معارضة مباشرة في ظل النظام الكمالي. أدت مشاركة بعض مشايخ الجمعية النقشبندية من الأكراد في الثورة الكردية عام 1925 إلى حظر الجمعيات الدينية كافة، غير أن الجمعية النقشبندية (بالإضافة إلى جمعيات دينية أخرى) واصلت لعب دور اجتماعي وسياسي بشكل سري. وشكلت جمعية إسكندر باشا (إسطنبول) التابعة لمحمد زاهد كوتكو (1897-1980، الذي خلفه صهره الأستاذ أسعد جوشان، 1938-2001) إحدى القواعد الاجتماعية الأكثر أهمية للأحزاب اليمينية، ومن بينها الحزب الإسلامي الذي أسسه نجم الدين أربكان.

كما ظهرت في القرن العشرين جمعيات دينية أخرى تختلف بشكل كبير عن الجمعيات الدينية الصوفية، مثل Isikçis و Süleymancis. تم تنظيم إحدى هذه الجمعيات، أسسها سعيد النورسي (1878 – 1960)، عضو كردي سابق في الجمعية النقشبندية، ضمن الطبقات الوسطى الحضرية. لاحقاً، تحولت هذه الحركة، المعروفة بحركة نوركولوك، إلى إحدى القوى الفكرية والسياسية الأساسية وراء الأحزاب المحافظة في الستينيات والسبعينيات. وفي الثمانينيات والتسعينيات، تمكّن أحد أتباع هذه الحركة، فتح الله كولن (المولود في 1941)، من بناء شبكة كبيرة من المدارس لتعليم الأطفال الذكور من الطبقة الوسطى بشكل أساسي، كما أسس شبكة إعلامية لنشر إحدى الصحف الأكثر أهمية في تركيا: “الزمان“. وفي التسعينيات، أعلن الجيش التركي كولن “الإرهابي الأكثر خطورة”، مما أدى إلى نفيه إلى الولايات المتحدة. لكن يفترض أن حركته اخترقت أجهزة الدولة بشكل كبير وعلى مستويات عدة، بما فيها الوسط الأمني الرفيع المستوى. ولا شك أن حركة كولن هي الركيزة الفكرية والإدارية الأساسية لحكومة أردوغان في تركيا. لكن هناك علامات تشير إلى أن العلاقة بين أردوغان وكولن ليست ودية.

أخيراً، تتضاءل الطائفة المسيحية (عشرات الآلاف من الآشوريين، وحوالي 60,000 أرمني وأقل من 3000 من الروم) تدريجياً، وعدد اليهود لا يتخطى 30,000 نسمة.

الأقليات

مع أن تركيا دولة علمانية رسمياً، إلا أن الحدود التي تفصل “الدولة” عن “الأقليات” دينية قبل كل شيء. وفق تقليد يعود إلى العقود العثمانية القليلة الماضية، والذي تمت صياغته رسمياً بموجب معاهدة لوزان (عام 1923، الميثاق التأسيسي للجمهورية التركية)، يعتبر المسلمون أتراكاً بشكل عام، بغض النظر عن أصلهم أو لغتهم. وبالتالي، فإن الأكراد (18% من مجموع السكان)، الذين أصبحت الحكومة التركية تعترف بوجودهم، لا يعدون أقلية ولا يتمتعون بأية حقوق خاصة، في التعليم أو الإدارة.

بالإضافة إلى ذلك، يعتبر جميع المسلمين ضمنياً من السنّة، كون الإسلام السنّي هو السائد في البلاد. وبناء على ذلك، فإن العلويين واليزيديين، من أصحاب المعتقدات الثنائية والذين رفضوا الإسلام علناً في بعض الحالات، غير معترف بهم كأقليات دينية. يتم تمويل “رئاسة الشؤون الدينية” المسؤولة أمام رئيس الوزراء وتوظّف حوالي 100,000 رجل من “رجال الله” وتراقب جميع الهيئات الدينية الإسلامية، من قبل كافة دافعي الضرائب (بمن فيهم المسيحيين واليهود) ولكنها لا تخدم إلا السنّة. ولا تزال طلبات الاعتراف القانوني بأية أقلية لغوية أو دينية تُرفض من قبل السلطات وفئة كبيرة من الطبقة السياسية.

منذ معاهدة لوزان، تم الاعتراف قانونياً بالأرمن (حوالي 60,000 نسمة) والروم (أقل من 3000) واليهود (أقل من 30,000) كأقليات؛ وبالتالي، لا يشكلون جزءً من الدولة التركية حتى ولو كانوا يتمتعون بالحقوق المدنية ذاتها. وتعهدت أنقرة، تحت عدد من بنود هذه الاتفاقية، بحماية هذه الأقليات. إلا أنها لم تلتزم بذلك دائماً، كما اتضح جلياً من: استبعاد المسيحيين واليهود من الخدمات العامة في العشرينيات؛ والحملات المعادية للسامية عام 1934؛ وفرض ضريبة على الثروة عام 1942 على المسيحيين واليهود بشكل شبه حصري؛ وبروز البرامج المعادية للروم عام 1955؛ ومصادرة أموال المؤسسات الدينية العائدة لبطريركية الروم.

كان الموقف الرسمي للدولة وقسم كبير من أفراد الطبقة السياسية ووسائل الإعلام معادياَ لهذه الأقليات التي تعتبر عدواً داخلياً. خلال الخمس عشرة سنة الماضية، برزت مدرسة جديدة من المؤرخين، الذين يمكن وصفهم بالمنشقين، الذين كتبوا عن أعمال القمع التي تعرضوا لها في القرن العشرين.

التمييز العنصري

الأقليات اليهودية والمسيحية في البلاد، المعتبرون مواطنين من الدرجة الثانية، هم ضحايا الكثير من التمييز وسخرية وسائل الإعلام والعنف، كحالة هرانت دينك، المثقف الأرمني المشهور عالمياً والذي اغتيل في كانون الثاني/يناير 2007. كما اندمج الغجر، والمعروفون رسمياً باللغة التركية باسم “رومان”، بشكل جيد في البنية الاجتماعية في الكثير من المدن، ومع ذلك تعرضوا للتمييز لفترات طويلة. ويقدر عددهم بـ 750,000، ويعيشون بشكل خاص في تراقيا وإسطنبول الكبرى والمدن الساحلية على البحر الأبيض المتوسط.

غالباً ما يعاني العلويون من التمييز والإهانة، مع أن البرامج التي أُخضعوا لها في السبعينات (خاصة في كوروم وسيواس وهرمانماراس) أصبحت من مخلفات الماضي. وهناك أيضاً مجتمعات صامتة ومندمجة نسبياً، مثل المسلمين الناطقين باللغة الأرمينية المعروفين باسم “الهمشين” الذين يعيشون في عزلة تامة في مقاطعة آرتفين، ويقدر عددهم بـ 40,000 نسمة.

التركيبة الاجتماعية والاقتصادية

تظهر البيانات الاجتماعية والاقتصادية تركيا على أنها في تحوّل كامل، وبالتالي لم يعد بالإمكان اعتبارها جزءً من العالم الثالث، غير أنها تبقى في الوقت نفسه بلداً شديد التناقضات. ومع أن قطاع الزراعة كان مسيطراً حتى الثمانينيات، إلا أنه لا يزال يوظف 25,2% من القوى العاملة، في حين يوظف قطاع الصناعة 19,9% وقطاع البناء 6,3%. ويوظف قطاع الخدمات حوالي 48,6 % من القوى العاملة، مع توقع تحقيق نمو كبير في السنوات القادمة، مما يشير إلى ظهور مجتمع استهلاكي.

مع أن بعض الشركات الهامة على الصعيد الاستراتيجي – مثل شركة النفط الوطنية التركية (TPAO) والشركة العامة لتوليد الكهرباء (EÜAŞ) وإدارة بناء المجمعات السكنية في تركيا (TOKI) ومصافي تكرير النفط – تخضع لإدارة الدولة، فإن الأغلبية الساحقة من شركات قطاع الخدمات مملوكة للقطاع الخاص. وهناك الكثير من المزارعين المستقلين والشركات الصغيرة والمتوسطة (SME) والصناعات الكبيرة والمتوسطة (SMI). وفق تقرير صادر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) عام 2004، بلغ عدد الشركات التركية الصغيرة والمتوسطة 1,2 مليون ومثلت 99,8% من الشركات ووفرت 76,7% من مجموع الوظائف و 38% من الاستثمارات المالية و 26% من إجمالي القيمة المضافة و 10% من الصادرات. وأفادت صحيفة “الزمان” عام 2011 أن عدد الشركات الصغيرة والمتوسطة والصناعات الصغيرة والمتوسطة وصل إلى 3,2 مليون، ووفرت 77,9% من الوظائف و 49,9% من الاستثمارات و 55,2% من القيمة المضافة. ينبغي اعتبار هذه الأرقام، التي تظهر قدرة الشركات/الصناعات الصغيرة والمتوسطة على الصمود والنمو أمام الأزمة المالية العالمية، في ضوء تقييم أكبر 1000 شركة في البلاد في تقرير صادر عن İSMILLIMETRESMO. وفي الفترة الممتدة بين 1998 و 2010، ارتفعت حصة الشركات/الصناعات الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي من 33,3% إلى 52,7%. توظف هذه الشركات 746,000 من القوى العاملة. غير أن أرباحها ارتفعت خلال هذه الفترة من 385 دولار إلى 8100 دولار لكل موظف. تنتج هذه الشركات لوحدها 54,4% من صادرات البلاد (52,84% عام 1998).

مع أن “نمور الأناضول”- صناعيون ورجال أعمال – يشكلون مجموعة ناشطة، فإنهم غير قادرين على منافسة الطبقة البورجوازية في إسطنبول، والمنظمة في شركات قابضة. ورغم وجود العديد من الروابط بين المحافظات والعاصمة الاقتصادية للبلاد، ينقسم عالم الأعمال التركي إلى قسمين: الطبقة البورجوازية في إسطنبول، المتحدة في اتحاد غرف التجارة والصناعة التركية ) (TÜSİAD؛ والطبقة البورجوازية في الأناضول (في قيصرية، وعينتاب، وسامسون، وكهرمانماراس، وملاطية)، المنظمة على شكل جمعيات محلية أو تحت راية جمعية رجال الأعمال والصناعيين المستقلين (MÜSİAD).

في أعقاب الأزمة المالية الحادة في أوائل القرن الحادي والعشرين، شهدت تركيا نمواً مستمراً، تقلّب في السنوات التالية (8,5% عام 2011 و 5,6% عام 2012). كانت نسبة البطالة 10,4% في شهر شباط/فبراير عام 2012 (12,8% في القطاعات غير الزراعية، 18,3% من الشباب). وتفتقر نسبة 60% من القوى العاملة إلى المؤهلات اللازمة، مما يعرّض العديد من الموظفين إلى خطر فقدان وظائفهم في حال حدوث أزمة مالية. ومع أن معطيات الاقتصاد الكلي إيجابية بشكل عام، إلا أن النقص الكبير في التجارة الخارجية (71,6 مليار دولار عام 2010، و 105,8 مليار عام 2011)، والذي يمكن تفسيره جزئياً بانتشار الاستهلاك بالدين، يشكل مشكلة هيكلية تضعف الاقتصاد ككل.

توزيع الدخل والفقر

يعيش حوالي 16,9% من الأتراك تحت خط الفقر، الذي تم تحديده عام 2012 بدخل سنوي قدره 1770 دولار (3171 ليرة تركية) للأسرة المؤلفة من 4 أشخاص، وتعتبر نسبة 22,7% من القوى العاملة “معرضة للفقر”، أي أنها لا تملك أية موارد خاصة تتيح لها التمكن من مواجهة الأوضاع غير المتوقعة. الناتج المحلي الإجمالي ومعدل الدخل الفردي مرتفعان – وفق تقديرات البنك الدولي، 1,115,944,000,000 دولار و 15,340 دولار على التوالي، مما يضع تركيا في المرتبة 17 على صعيد القوى الاقتصادية العالمية – غير أن الاختلافات الهيكلية واضحة: تجني فئة الـ 20% الأغنى من السكان 46,4% من الدخل، في حين 20% الأكثر فقراً 5,8% فقط. كما هناك اختلافات كبيرة بين المناطق: معدل الدخل الفردي 33,620 دولار في كوكالي، وهي منطقة صناعية مزدهرة؛ و 4,118 في أوغري؛ و 2,742 في موش؛ و 2,595 في شرناق، وهي ثلاث مدن في كردستان.

تأتي 43,7% من الإيرادات من الرواتب، و 20,5% من التقاعد والخدمات الاجتماعية؛ و 20,2% فقط من الأرباح والمبادرات الخاصة. يضع هذا الاعتماد الكبير على مصادر خارجية غير مستدامة قسماً كبيراً من السكان في وضع غير ثابت. أظهرت الأحداث التي جرت في نهاية السبعينيات وفي الفترة الممتدة بين 1994 و 2001 عدم قدرة الموظفين أو المستفيدين من معاشات التقاعد والخدمات الاجتماعية على مواجهة الأزمات الكبيرة، مما أدى إلى حالة من الفقر.

اللاجئون العراقيون

كان مشهد إعادة اللاجئين الأيزيديين العراقيين في أغسطس المنصرم من تركيا إلى العراق مجدداً على يد حرس الحدود الأتراك مقلقاً حقاً، إذ كان من السهل على العيان ملاحظة اللاجئين من إحدى الطرق المتاخمة للحدود. كانوا يرتدون ملابس ملونة، وبالتالي كان من السهل رؤيتهم بين الغطاء الأخضر الذي يغطي الوادي، حيث يجري النهر الذي عبروه للتو وصولاً إلى تركيا. وفي تركيا، كان القرويون على أتم استعدادٍ لتقديم المساعدة للاجئين وتزويدهم بالبطانيات والخبز والماء. علت صيحات الاستهجان عن بُعد بسبب تصرف شرطة الحدود، عندما شاهد القرويون بأمّ أعينهم رجالاً يرتدون البزة العسكرية يتجهون صوب مجموعة اللاجئين ويأمرونهم بالعودة من حيث أتوا وبعبور النهر مجدداً.

حصلت هذه الحادثة بالقرب من الخابور، نقطة العبور الرسمية الوحيدة بين العراق وتركيا. تقع الخابور على الطريق الذي يربط بين زاخو، في كردستان العراق، وسيلوبي في تركيا. قرر اللاجئون العبور إلى تركيا عبر طرق غير شرعية بسبب سياسة الحكومة التركية في بوابة الخابور، إذ لا يُسمح سوى للاجئين الذين يحملون جوازات سفر عبور الحدود. وبما أنّ غالبية الأشخاص لا يملكون جوازات سفر، لم يكن أمامهم خيارٌ آخر سوى عبور الأنهر والحقول والجبال.

اختار السواد الأعظم من اللاجئين الجبال وعبروا الحدود في منطقة أولوديري في إقليم سيرناك، وذلك باستخدام نفس الطريق الحدودي غير الشرعي الذي شهد مجزرة أولوديري في أواخر ديسمبر 2011، حيث قصفت الطائرات الحربية التركية مجموعة من المهربين مما أسفر عن مقتل 34 كردي.

تمثلت أحد أهم المشاكل التي واجهت اللاجئين العراقين في تركيا بسبب هذه السياسة التي تسمح فقط لمن يحملون جوازات سفرٍ بالعبور بتشتت العائلات. شعر اللاجئون بخوفِ شديد من النوايا المبيّته اتجاههم من قِبل تنظيم “الدولة الإسلامية”، لذا بدى تشتيت العائلة الخيار الأمثل بدلاً من البقاء معاً لملاقاة مصيرهم في العراق. حتى أنّ البعض منهم أجبروا على ترك أطفالهم مع أقارب لهم، ممن فضلّوا البقاء في ديارهم، ذلك أنهم لم يستطيعوا آنذاك تأمين جوازات سفرٍ لهم.

لم يكن تقدّم “الدولة الإسلامية” فقط ما دبّ الرعب في قلوب الأيزيديين- أكراد يعتنقون إحدى الديانات القديمة ويعتبرهم التنظيم “عبدة شيطان”- بل أيضاً حقيقة أنّ بلدتهم، سنجار، والقرى المحيطة تركت دون حماية من قبل القوات المسلحة لكردستان العراق، البشمركة.

كردستان

غالباً ما تقطعت السبل باللاجئين الأيزيديين الذين لم يتمكنوا من الوصول إلى تركيا في مدن كردستان العراق مثل زاخو ودهوك. كان السكان المحليين على أهبة الاستعداد لتقديم المساعدات للقادمين فيما يتعلق بالاحتياجات الأساسية مثل البطانيات والمواد الغذائية والمياه، إلا أنّ توفير مأوى لهم شكّل أمراً غاية في الصعوبة. تتعامل حكومة إقليم كردستان (KRG) مع تدفق هائل للاجئين من أجزاء أخرى من العراق، حيث وصلت أعدادهم إلى ما يقارب 1,4 مليون فرد من جميع أنحاء البلاد. لا تستطيع ميزانية الحكومة إحتواء ورعاية جميع هذه الأعداد على أفضل وجه، ويرجع هذا العجز في التمويل أيضاً إلى النزاع مع الحكومة العراقية المركزية في بغداد، التي لا ترسل لحكومة إقليم كردستان في أربيل ما يحق لها من عائدات النفط العراقي البالغ قيمتها 17%.

وهكذا، اضطر الكثير من اللاجئين في زاخو ودهوك إلى افتراش الأرض في الشوارع، وأسفل الجسور، وفي المباني المهجورة، تحت لهيب أشعة الشمس الحارقة في الصيف. وبدنو فصل الشتاء، من المرجح تدهور الأوضاع أكثر فأكثر. وتحاول إدارة الكوارث والطوارئ التركية (AFAD) تقديم المساعدة حيث عملت أيضاً على بناء مخيميين للأيزيديين في كردستان العراق.

تُشير التقديرات إلى وجود 250,000 لاجىء أزيدي في زاخو ودهوك. إجمالاً، يوجد أكثر من مليون نازح ولاجىء داخل كردستان العراق، ومعظم النازحين من محافظة نينوى، ولا يتضمن هذا فقط الأيزيديين، بل أيضاً سكان الموصل، المدينة التي استولى عليها تنظيم “الدولة” في يونيو 2014، فضلاً عن مجموعات أصغر من اللاجئين مثل أقلية “الشبك” الدينية العرقية، وجماعات من المسيحيين. وهناك أيضاً لاجئوا سوريا، بما في ذلك كردستان السورية.

تفاوت المعاملة

فر ما يقارب 35,000 مواطن عراقي إلى تركيا، 99% منهم من الأيزيديين. هناك فرق كبير بين هؤولاء اللاجئين وألئك الذين فروا إلى تركيا من سوريا: يخضع اللاجئون السوريون إلى توجيه الحماية المؤقتة، في حين لا يطبق هذا النظام على الوافدين من العراق.

اعتمد البرلمان التركي في أكتوبر 2014 هذا التوجيه، إلا أنه لم يدخل حيز التنفيذ بعد. وبموجبه، يُمنح اللاجئون السوريون، من بين أمورٍ أخرى، وضعاً قانونياً ثابتاً، بالإضافة إلى حق البقاء في تركيا، والحصول على الرعاية الصحية، وينص على منحهم بطاقة هوية تُسّهل دخولهم إلى المدارس العامة وسوق العمل. سبق اعتماد هذا التوجيه العديد من التعاميم الوزارية التي تُعنى بالتعامل مع اللاجئين السوريين.

في السياق ذاته، بدأ تدفق اللاجئين العراقين إلى تركيا في صيف 2014، وتبقى جميع الاحتمالات واردة لنرى ما إذا كانت الحكومة التركية ستبذل أي جهودٍ لترتيبات مماثلة لهم على وجه السرعة. ومع ذلك، لا تخلو جعبة اللاجئين العراقيين من الحقوق، إذ يمكنهم على سبيل المثال، التسجيل والحصول على مستندات تمنحهم حق الرعاية الصحية المجانية. ومن ناحيةٍ أخرى، ووفقاً للقانون، يمكن لهؤولاء اللاجئين التورط بمشاكل نظراً لعبورهم الحدود بطرق غير شرعية وإقامتهم في تركيا دون تصريح؛ مما يجعلهم يشعرون بفقدان الأمن ويضعهم في دائرة خطر الترحيل مجدداً إلى العراق.

يقبع 2,000 إلى 2,500 لاجىء من الأيزيديين في أحد مخيمات اللاجئين التابعة للدولة في بلدة مديات، الواقعة جنوب شرق محافظة ماردين التركية. أقيم هذا المخيم قبل حوالي ثلاثة سنوات لاستضافة اللاجئين العرب من سوريا. وبما أنّ المخيم يتسع في الأساس لسبعة آلاف فرد، في حين التجأ إليه ما يُقارب 5,000 لاجىء سوري فقط، منحت الحكومة التركية ما تبقى للاجئين الأيزيديين.

في حين يحظى ما تبقى من الأيزيديين، 35,000، على دعم البلديات والتي غالباً ما يُديرها حزب الأقاليم الديمقراطي الكردي (DBP)، والسكان المحليين. تكمن المشكلة في أنّ البلديات لا تملك أمولاً كافية لمساعدة جميع اللاجئين، حيث ازداد الأمر صعوبةً بحلول فصل الشتاء، إذ لا توفر الخيام التي يقطنها اللاجئون ملاذاً آمناً من الظروف القاسية التي تتفاقم على نحوٍ متزايد.

ولا تنوي الغالبية العظمى من اللاجئين الأيزيديين العودة إلى ديارهم في العراق، حتى وإن استقرت الأوضاع مستقبلاً. قصّ العديد منهم رواياتٍ حول تآمر جيرانهم العرب مع تنظيم “الدولة الإسلامية” ونهب بيوت الأيزيديين سرعان ما غادروها، إذ باتوا يشعرون أنهم لن يكونوا في مأمنٍ قط في أرض أجدادهم، ويرغب العديد منهم في بدء حياة جديدة في أوروبا.

وبالفعل، انطلق بعضهم في رحلة الموت من تركيا إلى أوروبا، حيث وصلتنا أنباءٌ عن غرق لاجئين أيزيديين في البحر الأبيض المتوسط.