الصفحة الرئيسية / تركيا / من الماضي الى الحاضر / من التاريخ القديم إلى الحركة القومية التركية

من التاريخ القديم إلى الحركة القومية التركية

قبور صخرية في ميرا، أنطاليا، والتي حفظت العصور الليقية والإغريقية والرومانية وأوائل المسيحية / Photo Shutterstock
قبور صخرية في ميرا، أنطاليا، والتي حفظت العصور الليقية والإغريقية والرومانية وأوائل المسيحية / Photo Shutterstock

المحتويات

الحقبة البيزنطية
الحقبة العثمانية
انحدار الإمبراطورية العثمانية
الحركة القومية التركية

شهدت بلاد ما بين النهرين والأناضول – إحدى أقدم المناطق المأهولة بشكل دائم في العالم – ولادة العديد من مجتمعات ودول ما قبل التاريخ، مثل الأكاديين والحثّيين والفريجيين والليديين. اتسمت العصور القديمة بثلاث مجموعات: الإغريق والأرمن والفرس. اعتباراً من عام 1200 قبل الميلاد، بنى الإغريق عدداً من المدن، مثل ميليتوس وأفسس وسميرنا (إزمير الحالية) وبيزنطيا (فيما بعد القسطنطينية). كانت مملكة أرمينيا الدولة الأولى التي تعتمد المسيحية الديانةً الرسمية في البلاد في بداية القرن الرابع.

الاسكندر الكبير

خلال القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، سقطت الأناضول تحت سيطرة الإمبراطورية الفارسية الأخمينية. عام 334 قبل الميلاد، احتلها الإسكندر الكبير. وبعد موته عام 323، انقسمت الأناضول إلى مجموعة من الممالك الهلنستية. وهذه بدورها أصبحت جزء من الجمهورية الرومانية في أواسط القرن الأول قبل الميلاد، وفيما بعد الإمبراطورية الرومانية.

كانت مملكة أرمينيا، التي كانت تشمل أجزاء كبيرة من شرق تركيا، أول دولة تعتمد المسيحية كديانة رسمية لها في بداية القرن الرابع الميلادي.

أفسس / Photo Shutterstock
أفسس / Photo Shutterstock

الحقبة البيزنطية

داخل كنيسة آجيا صوفيا في إسطنبول، التي بناها الإمبراطور يوسطنيان بين 532 و 537 للميلاد. عام 1453، وبعد احتلال السلطان محمد الفاتح القسطنطينية، تم تحويلها إلى مسجد.
داخل كنيسة آجيا صوفيا في إسطنبول، التي بناها الإمبراطور يوسطنيان بين 532 و 537 للميلاد. عام 1453، وبعد احتلال السلطان محمد الفاتح القسطنطينية، تم تحويلها إلى مسجد.

ام 285 قبل الميلاد، قسم الإمبراطور دقلديانوس إدارة الإمبراطورية الرومانية الى نصفين: شرقي وغربي. سيطرت الإمبراطورية الرومانية الشرقية، التي عرفت فيما بعد بالإمبراطورية البيزنطية، على معظم الأناضول – وما وراءها: على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى شمال أفريقيا – من عاصمتها القسطنطينية (أعيدت تسميتها بـ “بيزنطيا”)، واستولت على مملكة أرمينيا عام 1045.

خلال أكثر من ألف سنة من وجودها، أنتجت الإمبراطورية البيزنطية حضارة رائعة جمعت بين العناصر الإغريقية والرومانية والشرقية والمسيحية.

الإمبراطورية البيزنطية التوسع التركي من آسيا الوسطى، خاصة بعد انتصار ألب أرسلان السلجوقي التركي (1029-1072) على الإمبراطورية البيزنطية في معركة ملاذكرد (1071). بعد ذلك، أصبحت أجزاء كبيرة من الأناضول جزءً من سلطنة الروم السلجوقية. وبالإضافة إلى ذلك، كان للنزاع بين الأتراك السلاجقة والإمبراطورية البيزنطية أبعاد دينية. فقد كان الأتراك السلاجقة قد اعتنقوا الإسلام، بينما كانت الإمبراطورية البيزنطية تعتبر مركز المسيحية الأرثوذكسية.

استنجد الإمبراطور ألكسيوس الأول، الذي أصبح مركزه مهدداً، بالبابا الكاثوليكي الروماني، فلبى النداء. عام 1095، دعا البابا أوربانوس الثاني إلى حملة صليبية، ليس فقط لتقديم المعونة للقسطنطينية، وإنما أيضاً لتحرير القدس والأراضي المقدسة من سيطرة (السلاجقة) المسلمين.

انطلقت جيوش الصليبيين بقيادة فرسان الفرنجة والنورمانديين من فرنسا وإيطاليا عام 1096. بعد وصول الجيوش إلى القسطنطينية، زحفت باتجاه القدس، تاركة وراءها الكثير من الدمار. وبعد حصار دام ثمانية أشهر، تم احتلال مدينة أنطاكية (في محافظة هاتاي) ذات الدفاع القوي وأعلنوا العاصمة واحدة من الإمارات والمقاطعات الصليبية العديدة التي أقيمت لاحقاً على طول الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط . وأخيراً، سقطت القدس عام 1099 وأصبحت جزءً من مملكة القدس، والتي استرجعها صلاح الدين الأيوبي عام 1187. تلا الحملة الصليبية الأولى ستة حملات أخرى، ولم تمر جميعها عبر الأناضول.

بعد الحملة الصليبية الرابعة، والتي أسفرت عن الاستيلاء على القسطنطينية ونهبها (1202-1204)، لم تعد الإمبراطورية البيزنطية الضعيفة في وضع يسمح لها استغلال اختفاء الإمبراطورية السلجوقية العظمى في الأناضول (1077-1308)، مما أدى إلى ظهور العديد من الإمارات التركية المستقلة، مثل دلغادر (ذو القادر) وقرمان وصاروخان وآيدين ومنتشا وكرمايان. ومن بين تلك الإمارات، الإمارة التي أسسها السلطان عثمان الأول (1258


اضغط للتكبير اضغط للتكبير

الحقبة العثمانية



خلفت الإمارة العثمانية الإمبراطورية البيزنطية بعد أن احتل محمد الثاني “الفاتح” (1432-1481) القسطنطينية عام 1453. استمر التوسع العثماني في عهد خلفاء محمد الفاتح، وخصوصاً سليم الأول (المعروف أيضاً باسم “سليم القاطع” و “سليم الشجاع”، 1470-1520) وسليمان العظيم (“سليمان القانوني”، 1494-1566). بعد وصول التوسع العثماني إلى أوروبا الوسطى، تحول اهتمام العثمانيين إلى الشرق والجنوب، وبخاصةٍ العالم العربي. وبعد “التهديد الشيعي” – الذي أدى في عهد السلالة الصفوية (التركية) إلى ظهور التوقعات المهدية في المجتمعات التركية التي أهملتها الإمبراطورية العثمانية بسبب تعاظم البيروقراطية فيها – عمل سليم الأول على تحقيق استقرار الحدود مع بلاد فارس عام 1514، وذلك بعد انتصاره في معركة جالديران. مهد احتلال سليم الأول للعالم العربي الطريق إلى مصر، وأتاح له الحصول على لقب خليفة، اللقب الخاص بـ “آل عثمان” إلى حين إلغاء الخلافة عام 1924.

سليمان القانوني (1470-1566)
سليمان القانوني (1470-1566)
سليم الأول (1470-1520)
سليم الأول (1470-1520)
رسم جندي جنيسارت
رسم جندي جنيسارت
سليم الثالث (1761-1808)
سليم الثالث (1761-1808)

معركة فيينا عام 1683

معركة فيينا عام 1683
معركة فيينا عام 1683

في نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، شهدت الإمبراطورية العثمانية اضطرابات داخلية عنيفة، عرفت باسم الثورات الجلالية، وأزمات مالية أشعلت فتيل العنف وأعمال الشغب حتى في العاصمة. تمت الإطاحة بالعديد من السلاطين وقتل البعض الآخر. وأدى فشل العثمانيين في غزو فيينا عام 1689 إلى تحوّل النمسا إلى قوة عظمى في أوروبا الوسطى زعزعت الوجود العثماني في أوروبا. وتلت ذلك سلسلة من الهزائم في أوروبا والقوقاز (التي استهدفها التوسع الروسي).

نظام جديد

كان عام 1789، تاريخ تنصيب السلطان سليم الثالث (1761-1808)، حاسماً للإمبراطورية العثمانية. ولعدم قدرتها على الاستمرار كنظام عالمي، اضطرت الإمبراطورية العثمانية إلى اعتماد نظام جديد على مثال النماذج الإدارية والعسكرية والاقتصادية والقانونية للدول الأوروبية لضمان استمراريتها. ولم يُعِق اغتيال سليم الثالث عام 1808، في أعقاب ثورة الإنكشاريين (مجموعة عسكرية قاومت التغيير)، تقدم الإصلاحات التي تلتها التنظيمات اعتباراً من عام 1839.

تتويج سليم الثالث عام 1789، رسم قسطنطين كابيداغلي يوليوس (متحف توبكابي) اضغط للتكبير
تتويج سليم الثالث عام 1789، رسم قسطنطين كابيداغلي يوليوس (متحف توبكابي) اضغط للتكبير

انحدار الإمبراطورية العثمانية



وفق المؤرخ سليم دارينغيل، كانت إصلاحات التنظيمات المُخططة في عهد محمود الثاني (1808- 1839) والمطبقة في عهد عبد المجيد الأول (1839-1861)، أساس الدولة التركية الحديثة وأتاحت اندماج الإمبراطورية العثمانية في أوروبا. وعلى الرغم من مواجهة الإمبراطورية العثمانية لروسيا في حرب القرم (1853-1856)، بفضل تحالفها مع فرنسا وبريطانيا العظمى، اضطرت على خوضها لوحدها في حرب جديدة عام 1877-1878، والتي قلّصت تدريجياً الوجود العثماني في البلقان (في سياق ظهور النزعة القومية ومطالبة اليونان وبلغاريا، وغيرها من الدول، بالاستقلال).

في أعقاب هذه الحروب، تم تعليق الدستور الذي أصدره السلطان عبد الحميد الثاني لهدف وحيد: إقناع القوى الأوروبية بصدقه في تطبيق الإصلاحات. وتم حل البرلمان، واغتيال مهندس الإصلاحات مدحت باشا (1822- 1884)، والذي اتُهم بقتل السلطان عبد العزيز عام 1876، في سجنه في الطائف في المملكة العربية السعودية.

كان الحكم الطويل للسلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909)، الذي لقّبه معارضوه بـ “السلطان الأحمر”، عهداً إصلاحياً. فقد جمع السلطان بين الدكتاتورية والميول الغربية والحداثة والأسلمة في الوقت نفسه. وانتهى حكمه مع ثورة تركيا الفتاة، في أعقاب إعلان جمعية الاتحاد والترقي (تركيا الفتاة)، وهي جمعية سرية منذ عام 1906 بقيادة ضباط عثمانيين شباب خدموا في البلقان وبعض القوميين، مثل بهاء الدين شاكر (1874-1922) وناظم بك التسالونيكي الذي أُعدم شنقاً في أنقرة عام 1926 بعد محاولة اغتيال أتاتورك. بعد إعادة العمل بالدستور في تموز/يوليو عام 1908 وهبوب رياح وصفها المؤرخ فرنسوا جورجون بـ “سكرة الحرية”، قامت جمعية الاتحاد والترقي تدريجياً بتأسيس نظام الحزب الواحد (اعتباراً من عام 1913). وشهدت الفترة بين العامين 1908 و 1913، تعاظم راديكالية جمعية الاتحاد والترقي – التي اعتبرت نفسها “روح الدولة” و “كعبة الحرية” – وتعاظم القومية التركية. وسرعان ما اضمحلت صلات ,التآخي بين الأئمة والكهنة والحاخامات خلال احتفالهم بـ “الحرية” في تموز/يوليو من عام 1908، كما اضمحل الهيجان السياسي والثقافي الذي شهدته مدن عثمانية عديدة، مما مهّد الطريق أمام احترام مبدأ “النظام والانضباط” الذي برره إيديولوجيو الحركة التوحيدية بضرورة مجابهة “عقيدة حقوق الإنسان المنتشرة كجرثومة”.

عبد المجيد الأول (1839-1861)
عبد المجيد الأول (1839-1861)
محمود الثاني (1808–1839)
محمود الثاني (1808–1839)
السلطان عبد العزيز (1830-1876)
السلطان عبد العزيز (1830-1876)
السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909)
السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909)
ناظم بيك (1870-1926)
ناظم بيك (1870-1926)
بهاء الدين شاكر (1870-1922)
بهاء الدين شاكر (1870-1922)

الحركة القومية التركية

السلطان عبد الحميد الثاني في أواخر أيامه
السلطان عبد الحميد الثاني في أواخر أيامه

ظهر هذا التشنج الانضباطي المرتبط بالحركة “القومية التركية” منذ 1905-1906 في المراسلات الداخلية للجنة المركزية لجمعية الاتحاد والترقي. ولكنه كان جزءً من عملية اتسمت بحاجة ملحة يمكن تفسيرها أولاً بالسياق الدولي – إعلان استقلال بلغاريا، وضم البوسنة والهرسك إلى الإمبراطورية النمساوية المجرية، وتمرد ألبانيا واستقلالها، واحتلال إيطاليا لطرابلس بلد البربر، وهزيمة عام 1912 على يد تحالف دول البلقان – الذي بثّ شعوراً بالإذلال وحالة من الذعر في صفوف الاتحاديين. قال أحد الصحفيين آنذاك: “لقد خسرنا صربيا وبلغاريا ومونتينيغرو والبوسنة والهرسك وكريت، ونحن على وشك خسارة روميليا، وخلال عامين سنخسر إسطنبول أيضاً. سينتقل الدين الإسلامي الشريف والإمبراطورية العثمانية الموقّرة إلى قيصرية التي ستصبح عاصمتنا ومرسين مرفأنا وأرمينيا وكردستان جارتَينا وسكان موسكو أسيادنا”. غير أن التسلسل المضلّل لأحداث السياسة الداخلية للعاصمة العثمانية – التي اتسمت بالثورة ضد الضباط الاتحاديين الشباب (تركيا الفتاة) في إسطنبول عام 1909 الذين “يهينون ديانتنا”؛ وإضعاف الحكومة الاتحادية والإطاحة بها في 12 تموز/يوليو عام 1912؛ وظهور لجنة عسكرية سرية ومنافسة – وضع الاتحاديين في موقف صعب. ونتج عن هذه الأحداث انقلابٌ نظمه أنور باشا في كانون الثاني/يناير عام 1913، وهو أحد الضابطَين اللذين يعتبران رمزاً لإعلان دستور عام 1908.

الباشاوات الثلاثة

محمد طلعت باشا (1874-1921)
محمد طلعت باشا (1874-1921)
أنور باي باشا إسماعيل (1881-1922)
أنور باي باشا إسماعيل (1881-1922)
أحمد جمال باشا (1872-1922)
أحمد جمال باشا (1872-1922)

كانت النتيجة المباشرة تعيين محمود شوكت باشا (1856- 1913)، الجنرال الذي شكّل جيش العمل أثناء العصيان الذي شهدته إسطنبول عام 1909، رئيساً لحكومة جديدة. وأعطى الاغتيال الغامض لهذا الرجل القوي (11 حزيران/يونيو 1913)، الذي حاول الحفاظ على استقلال الجيش عن الاتحاديين، اللجنة فرصة إلغاء التعددية السياسية وإعدام أو نفي زعماء المعارضة الليبراليين. واتسم نظام الحزب الواحد الذي أسسه محمود شوكت باشا بوصول الترويكا المعروفة بـ “الباشوات الثلاثة”: جمال باشا (1872-1922) وأنور باشا (1881-1922) وطلعت باشا (1874-1921). شغل جمال باشا وأنور باشا مناصب في الجيش، بينما خضع طلعت باشا للتدريب في مدرسة عسكرية وكان يعمل موظفاً في مؤسسة التلغراف.

مذبحة الأرمن

جنود غثمانيون يأخذون أرمن في إلى سجن في مزيره خربوت في نيسان 1915 الصورة من الصليب الأحمر الأمريكي
جنود غثمانيون يأخذون أرمن في إلى سجن في مزيره خربوت في نيسان 1915 الصورة من الصليب الأحمر الأمريكي

تحت ضغط من جميع الأطراف، قرر الترويكا إقحام الإمبراطورية في الحرب العالمية إلى جانب حليفتهم ألمانيا (والنمسا/هنغاريا) دون إخطار السلطان أو الصدر الأعظم أو حتى البرلمان. وأدت هزيمة الألمان إلى سقوط الإمبراطورية عام 1918.

لم تنجح سياسة الحكام العثمانيين في صياغة جواب سياسي على تطلعات الشعوب المضطهدة، ومعظمهم من المسيحيين، ضمن الإمبراطورية العثمانية للحرية والمساواة. وبدلاً من ذلك، اختاروا العنف في محاولة لقمع المعارضة. وهذا بدوره أعطى فرصة للقوى الغربية للتدخل في الشؤون التركية. ونتيجة لذلك، استطاع الصرب والبوسنيون واليونانيون والبلغار والرومانيون التحرر من الحكم التركي في القرن التاسع عشر. مما أفقد الإمبراطورية العثمانية حوالي 60% من أراضيها. وفي حرب البلقان 1912-1913، استرجعت أوروبا أغلبية الأراضي المتبقية. كما تسببت الحرب في تشريد حوالي مليون مسلم. وبدأ الحكام يتخوفون من أن نهاية الامبراطورية العثمانية باتت وشيكة.

دفع ذلك حكومة الترويكا إلى اتخاذ قرار اتباع سياسة طرد السكان المسيحيين. وفي إطار هذه السياسة ذاتها، تم تتريك المجموعات السكانية المسلمة غير التركية – الأكراد، والبلغار والبوسنيين والعرب. وهكذا نشأ التجانس العرقي والديني في الأناضول، مما أثار روح مقاومة القوى المعادية (المسيحية).

في إطار هذه السياسة، كان اليونانيون غرب الأناضول أول من عانى من عنف الجماعات المسلحة التي شكلتها الدولة، مثل “التشكيلات المحسوسة” (منظمة خاصة)، والذين فروا بشكل جماعي، ومن ثم تم ترحيلهم بحراً إلى اليونان.

لم يمكن طرد حوالي مليونين من الأرمن الذين كانوا يسكنون شرق الأناضول والمدن الرئيسية في غرب الأناضول إلى ما وراء الحدود. وكان أكثر الخيارات وضوحاً أمامهم روسيا القيصرية (المسيحية)؛ ولكن ذلك لم يكن ممكناً، لأن روسيا كانت من المعسكر الغربي المعادي.

عام 1915، صدر أمر بترحيل الأرمن نحو الجنوب – سوريا وبلاد ما بين النهرين. إلا أن الأمر تحوّل إلى أكثر من سياسة ترحيل: تم قتل المثقفين الأرمن على نطاق واسع في مدن الأناضول الغربية قبل عملية الترحيل. وبالتالي، تم القضاء على زعماء الأرمن.

ترافق الترحيل بعنف واسع النطاق، ليس فقط من قبل التشكيلات المحسوسة التي سبق ذكرها، وإنما شارك في المذبحة أيضاً الجنود ورجال الشرطة والدرك، كما الشركس والأكراد الذين انضموا إلى ما يسمى بأفواج الحميدية. فتم ذبح الأرمن بشكل جماعي واغتصاب النساء وخطف الفتيات الصغيرات وسلب ونهب ممتلكاتهم. وسقط معظم الضحايا نتيجة مشقات السير الطويل من الأناضول إلى بلاد ما بين النهرين وسوريا (والذين نجوا من الذبح في الطريق). ويقدر عدد الأرمن الذين قتلوا ما لا يقل عن مليون شخص.
.
تنفي الحكومات التركية المتعاقبة على الدوام سياسة الإبادة الجماعية عام 1915 (وما بعده). وهذا ينطبق أيضاً على حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ عام 2002 (تعاقب المادة 305 من دستور عام 2006 على استخدام مصطلح “الإبادة الجماعية” في وصف أحداث عام 1915). وفق الرواية الرسمية، لم يكن الهدف من سياسة الترحيل إبادة الأرمن. أسفرت التحقيقات التي قام بها باحثون من الأرمن والأتراك وغيرهم، بناءً على روايات شهود العيان من الأرمن وغير الأرمن، والمدعومة بدراسة السجلات، عن أدلة كافية بأن الرواية الرسمية التركية حول أحداث عام 1915 تخالف الوقائع وأنه كان هناك في الواقع سياسة إبادة جماعية.