الصفحة الرئيسية / تونس / السكان

السكان

المسجد الكبير في القيروان

المحتويات

    Loading index...

لقرون كانت الكثافة السكانية منخفضة جداً في المنطقة التي تعرف اليوم بتونس، غير أن النصف الثاني من القرن العشرين شهد ارتفاعاً كبيراً في عدد السكان. في الواقع، ارتفع عدد السكان إلى أكثر من الضعف في الفترة الممتدة ما بين 1960-2012، من أقل من 5 ملايين إلى حوالي 11 مليوناً. عام 2012، قدر معدل نمو السكان بـ 0,96%، واحتلت تونس المرتبة 120 من أصل 230 وفق التصنيف العالمي.
العاصمة تونس هي أكبر مدينة في البلاد: حوالي 984,000 نسمة. وتضم المنطقة المتروبوليتية أكثر من مليوني نسمة. ومن أهم المدن الرئيسية الأخرى: صفاقس (حوالي 265,000 نسمة) وسوسة (حوالي 173,000 نسمة) والقيروان (حوالي 117,900). عام 2010، بلغ عدد السكان الحضر حوالي 7 ملايين: 67% من إجمالي عدد السكان.
تونس دولة فتية، ومتوسط العمر فيها هو 30,5 سنة . عام 2011، بلغت نسبة السكان الذين لا تتجاوز أعمارهم 14 عاماً 23,2%، وبين 15-64 عاماً 69,3%، وفوق 65 عاماً 7,5% فقط. ارتفاع عدد السكان الشباب شائع في عدد من دول الشرق الوسط وشمال إفريقيا.


التركيبة العرقية والدينية


تتألف الأغلبية الساحقة من الشعب التونسي – حوالي 98% – من المسلمين العرب أو البربر، معظمهم من السنّة. في حين لا يشكّل المسلمون الشيعة سوى أقلية. يشكّل المسيحيون حوالي 1% من السكان، ومثلهم من اليهود – الذين اضطلعوا بدور هام في المجتمع التونسي على مر التاريخ – بالإضافة إلى مجموعات دينية وعرقية صغيرة أخرى.

السنيين

معظم الشعب التونسي من السنّة على المذهب المالكي الذي أسسه مالك بن أنس في القرن الثامن؛ غير أن السنّة في تونس لا يشكّلون مجتمعاً متجانساً. تلتزم الغالبية بالإسلام المعتدل الناشئ عن التقليد الإسلامي الخاص بالبلاد. أدخل مفكرون معاصرون إصلاحات هامة على نظام التعليم، مثل خير الدين التونسي الذي أسس المدرسة الصادقية المرموقة عام 1875 التي جمعت بين العلوم الحديثة والمواضيع الإسلامية التقليدية.
يقول حزب النهضة الإسلامي المعتدل إنه يريد العودة إلى تقليد التراث الإسلامي في البلاد. تعود الجذور الإيديولوجية للحزب إلى الجماعة الإسلامية التي ظهرت في فترة الستينيات. تم حظر حزب النهضة في عهد بورقيبة وبن علي، إلا أنه برز كلاعب رئيسي في السياسة التونسية بعد الثورة التونسية، حيث حصل على غالبية الأصوات في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في تشرين الأول/أكتوبر عام 2011. ساهم الاضطهاد والمضايقات التي تعرض لها أعضاء حزب النهضة في عهد النظامين السابقين، إلى جانب الموقف المتشدد للإسلاميين تجاه هذين النظامين، في منح الحزب شرعية بعد الثورة. وفي حين رفض الحزب المفهوم الغربي بالمساواة بين الرجل والمرأة في كافة المجالات، إلا أنه كان يؤيد إشراك المرأة في الحياة الاجتماعية والسياسية، خلافاً للأصوات الدينية الأكثر تحفظاً. في المقابل، تضم الأحزاب اليسارية مسلمين – معظمهم من النخبة في البلاد – ليبراليين وذوي اتجاه غربي ومتأثرين بالإرث الفرنسي وسياسات التحديث في عهد بورقيبة وبن علي. ويؤيد اليساريون، من بين السياسات الأخرى، المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة وعلمنة الدولة؛ مع أنهم يرفضون، على سبيل المثال، حقوق مثليي الجنس التي يؤيدها العديد من اليساريين الغربيين.
في الطرف الآخر من الطيف هناك المسلمون المتحالفون مع الحركة السلفية، مجموعة من المسلحين الإسلاميين الذين يلزمهم دفاعهم عن تقاليد السلف (صحابة النبي) إلى التفسير الحرفي للقرآن وتطبيق الشريعة. ويقدّر عددهم بحوالي 10,000 شخص. يمكن تصنيف الحركة السلفية في تيارين مختلفين: السلفية الجهادية والسلفية “العلمية” (يركز التيار الأخير على التحصيل العلمي الإسلامي والدعوة الإسلامية ويرفض استخدام العنف). ومع أن معظم السلفيين “العلميين” لا سياسيين، إلا أن البعض منهم انضم مؤخراً إلى اللعبة السياسية عن طريق تأسيس حزب جبهة الإصلاح.
ارتفع عدد السلفيين الجهاديين، الأقلية ضمن حركة من الأقلية، منذ الثورة التونسية، مما وفّر للحركة، التي كانت تتعرض للقمع في عهد الأنظمة السابقة، حريات لا مثيل لها. وخلافاً للسلفيين “العلميين”، يعتبر الجهاديون العنف أمراً ضرورياً أحياناً لتحقيق أهدافهم. وفي تونس، ينتظم الجهاديون بشكل رئيسي عبر أنصار الشريعة: منبر جهادي غير منظم له شبكة واسعة في المنطقة. وعلى الرغم من قلة أعدادهم، إلا أن السلفيين الجهاديين تمكنوا من زعزعة الديمقراطية المتقلبة في تونس من خلال نشاطاتهم المتشددة والعنيفة أحياناً: قاموا باقتحام معرض فني “كفري” في مدينة المرسى؛ وإحراق مكاتب اتحاد التجارة الأكثر أهمية في تونس، الاتحاد العام التونسي للشغل؛ وتفتيش الفنادق والحانات التي تبيع الكحول. واحتجاجاً على فيلم يسخر من النبي محمد، قام السلفيون الجهاديون باقتحام السفارة الأمريكية في تونس ونهب مدرسة أمريكية. ومؤخراً، انضم مجرمون عاديون إلى أنشطة السلفيين الجهاديين، مما شكّل خطراً يهدد استقرار البلاد.

الشيعة

تتوفر القليل من المعلومات عن الشيعة في تونس، وليس هناك بيانات رسمية عنهم. يقدّر عددهم بعشرات الآلاف. وما يصعّب مسألة الحصول على معلومات موثقة عنهم هو تكتمهم عن انتمائهم الشيعي، حيث يخفي معظمهم ذلك، كما أن بعضهم يصلّون مع السنّة. وفي حين عدم وجود أماكن عامة للعبادة أو مساجد شيعية في تونس، تعتبر مدينة قابس بشكل عام المركز الشيعي في البلاد. وفي الأشهر الأخيرة، تم تنظيم بعض الأحداث الثقافية الشيعية في المدينة، رغم الإقبال الضعيف عليها. ويعتبر مبارك بعداش الزعيم غير الرسمي للجماعة الشيعية في قابس.
على الرغم من قلة عدد الشيعة وعدم ظهورهم العلني، إلا أنهم تعرضوا إلى اعتداءات متزايدة بعد الثورة التونسية، حيث كانوا يواجهون التهديدات والتمييز العلني يومياً. فعلى سبيل المثال، في آب/أغسطس عام 2012، لم يتمكن لطفي بوشناق، مطرب تونسي وشخصية شعبية، من إحياء حفلة موسيقية في مدينة القيروان بسبب تنظيم مسلمين متشددين مظاهرات ضد فرقته: مجموعة من الشيعة الإيرانيين. وبعد يوم على هذه الحادثة، اقتحم مسلحون سلفيون المكان الذي كان يلقي فيه سمير القنطار، عسكري شيعي لبناني، خطاباً. وفي اليوم التالي، هاجم سلفيون مظاهرة داعمة للفلسطينيين تقودها منظمة شيعية.
يتم التحريض على مثل هذه الأحداث المعادية للشيعة من خلال الخطاب المعادي لهذه المجموعة الإسلامية، بمن في ذلك بعض الشخصيات الدينية المتطرفة والرفيعة المستوى. وعلى سبيل المثال، يعتبر أبو عياض، زعيم حركة أنصار الشريعة في تونس، الشيعة غير مسلمين وكفاراً لا مكان لهم في المجتمع التونسي.

الصوفيون

في تونس مجموعة صغيرة من الصوفيين لا يعرف عددهم بالضبط. والصوفية تيار روحاني من الإسلام يتعبد فيه الصوفيون بالطريقة التي يعتقدون أنها أوحيت عن طريق جبريل إلى النبي محمد، وذلك بهدف التقرب أكثر إلى الله، وبالتالي تطهير النفس. وخلافاً للإسلام الحنيف، تأثرت الصوفية بممارسات البربر الدينية، بما في ذلك إيمانهم بالأرواح والتمائم وعلم الغيب. دعا رجال الدين (المرابطون) إلى هذه الطريقة، ولا تزال قبورهم مزاراً للحجاج حتى اليوم.
ترك عدد كبير من الصوفيين تونس بعد الاستقلال عام 1956، بعد استعادة الحكومة أراضيهم ومؤسساتهم الدينية في ذلك الوقت. ومع ذلك، لطالما كان للصوفية تأثير كبير على الثقافة في تونس، ولا تزال حاضرة حتى يومنا هذا. فعلى سبيل المثال، ينظم الصوفيون خلال شهر رمضان نشاطات احتفالية سنوية كالرقص والموسيقى.
يعتبر معظم الصوفيين مدينة نفطة القريبة من الحدود الجزائرية، في منطقة البياضة، المركز الروحي لهم. فخلال السنة، يقوم الحجاج بالتوافد إلى المدينة للصلاة وزيارة الـ 100 مزار للمرابطين وأكثر من 24 مسجداً. ومنذ الثورة التونسية، اشتد الخطر على الصوفيين، وقام سلفيون بمهاجمة مزارات المرابطين.

البربر

ليس هناك إحصائيات متوفرة حول عدد الأمازيغ غير العرب، غالباً ما يشار إليهم بالبربر، والذين يعيشون حالياً في تونس. في الجنوب، هناك بعض القرى البربرية في الجبال، يُعرف سكانها أحياناً بـ “بربر الجبال”. لا يزال بعض بربر الجبال يعيشون في منازل تقليدية منحوتة في الجبال. تشمل قرى البربر التقليدية في جنوب البلاد: مطماطة، وتمزرط، والزراوة. ويعيش غيرهم من البربر في الجنوب الشرقي من البلاد، بما في ذلك جزيرة جربة. وحالياً، يعيش بعض البربر في مدن كبيرة، مثل العاصمة تونس.
مع أن البربر يشكلون أقلية هادئة ومتحفظة، إلا أنهم أصبحوا في الأشهر الأخيرة محط الأنظار، بشكل خاص بسبب موقف السلفيين العدائي تجاههم. فعلى سبيل المثال، تم إلغاء مؤتمر لمؤسسة بربرية تونسية، كان من المخطط أن يقام في صيف عام 2012 في منطقة مطماطة، بسبب تهديدات من قبل مسلمين متشددين.

المسيحيون

تشهد آثار الكاتدرائيات من العصر الروماني على تاريخ المسيحية العريق في تونس. كانت سبيطلة الواقعة وسط شمال تونس مدينة مسيحية هامة حتى الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا. واليوم، هي إحدى أهم المواقع الأثرية في البلاد. تأسست مدينة سبيطلة في القرن الأول بعد الميلاد، وأصبحت مركزاً مسيحياً رئيسياً مع انهيار الإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع. وتشمل الآثار خمس كنائس.

في القرن الرابع، عاش القديس أغسطينوس، فيلسوف مسيحي كبير درس في مدينة قرطاج التونسية. وكان له تأثير كبير على الجماعة المسيحية في تونس وخارجها من خلال مقاربته الفلسفية للدين. كما كان لأفكاره تأثير كبير على اللاهوتيين والفلاسفة حتى يومنا الراهن.

على الرغم من هزيمة الإمبراطورية البيزنطية على يد العرب عام 647، بقي عدد المسيحيين كبيراً لقرون عديدة، غير أن أعدادهم تراجعت بشكل كبير في القرن الثالث عشر، وذلك في إطار ما فسره عدد كبير من المؤرخين بالاختلافات والنزاعات الداخلية، مما تسبب بهجرة المسيحيين إلى الخارج. وبالتالي، لا تعود جذور المسيحيين الذين يعيشون اليوم في تونس إلى المسيحيين الأصليين في البلاد، وإنما هم من الوافدين الأوروبيين الذين أتوا مؤخراً، خاصة خلال فترة الحماية الفرنسية الممتدة بين العامين 1881 و 1956.

وفق تقرير الحرية الدينية الدولية لعام 2007 الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، يعيش حوالي 25,000 مسيحي في تونس، 20,000 منهم من الكاثوليك من بينهم 500 شخص تقريباً ملتزمين دينياً. تدير الكنيسة الكاثوليكية 12 كنيسة، بالإضافة إلى مكتبات و 9 مدارس وعيادتين. كما تنظّم الأحداث الثقافية والنشاطات الخيرية. والطائفة المسيحية الثانية من حيث الحجم هم البروتستانت: حوالي ألفي شخص. وتشمل الطوائف المسيحية الأخرى في تونس: الكنيسة الإنجيلية، بضعة مئات من الأعضاء؛ وكنيسة فرنسا المصلحة، تملك كنيسة واحدة وحوالي 140 عضو؛ والكنيسة الروسية الأرثوذكسية، التي تملك كنيستين و 100 عضو؛ وكنيسة الروم الأرثوذكس، ثلاث كنائس في جربة وسوسة وتونس و 30 عضواً.

في حين اعترف حزب حركة النهضة الإسلامية الحاكم الاعتراف بالمسيحيين ودعمهم الكامل، إلا أن التهديدات والخطابات المعادية للمسيحيين من قبل المتطرفين المسلمين في ازدياد بعد الثورة التونسية، مما أثار الخوف وانعدام الأمن بين صفوف المسيحيين.

اليهود

يتمتع اليهود بتاريخ غني في تونس. وفق التقليد اليهودي، توافد اليهود إلى تونس للمرة الأولى عام 586 قبل الميلاد إثر دمار الهيكل الأول. وفي عهد الرومان ومن بعدهم الفاندال – المتساهلين نسبياً – ازدهر اليهود وازدادت أعدادهم. دفع ذلك بمجالس الكنيسة الإفريقية إلى إصدار قوانين تقييدية ضد اليهود، مما حدّ من سلطتهم ونفوذهم. بالإضافة إلى ذلك، وجب على اليهود في عهد الرومان دفع جزية قدرها 2 شيكل. في المقابل، حصل اليهود على الجنسية الرومانية في ذلك الوقت: معظمهم كانوا يتحدثون اللغة اللاتينية ويحملون اسماً رومانياً. وعندما احتل الإغريق المنطقة التي تعرف اليوم بتونس في القرن السادس، شن الإمبراطور جستينيان حملة اضطهاد ضد اليهود أدت إلى تصنيفهم بالوثنيين والآريوسيين.

في القرنين السابع والثامن، ارتفع عدد اليهود في تونس، ويعزى ذلك بالدرجة الأولى إلى وصول المهاجرين الأسبان الذين فروا من اضطهاد الملك سيسبوت، ملك القوط (توفي عام 620 أو 621). ومع وصول العرب إلى تونس وسيطرتهم على المنطقة، استقرت موجة من اليهود العرب الآتين من المشرق العربي في المغرب العربي. وفي عهد الإمام إدريس الأول، الذي أَعلن عام 788 استقلال موريتانيا عن خلافة بغداد، انضم بعض اليهود التونسيين للمحاربة في صفه، غير أن هذا التحالف لم يدم طويلاً حيث رفض عدد كبير منهم الهجوم على اليهود المتواجدين في موريتانيا والذين كانوا يدعمون خلافة بغداد. بالإضافة إلى ذلك، أدانوا احتقار إدريس للنساء اليهوديات.

عندما تأسست سلالة الأغالبة حوالي عام 800، إثر قتل إدريس الأول بالسم عام 791، ازدهر اليهود واكتسبوا نفوذاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. في بنزرت، على سبيل المثال، تولى يهودي منصب الحاكم. وبشكل خاص، تمتع يهود القيروان بالثروة في ذلك الوقت، لكن مع انتقال السلطة إلى الحاكم الرابع من السلالة الزيرية، المعز بن باديس، في أوائل القرن الحادي عشر، بدأت موجة أخرى من الاضطهاد ومضايقة جميع الديانات المخالفة للأرثوذكسية. وازداد الأمر سوءً بعد قرن، عندما قام عبد المؤمن وخلفاؤه من سلالة الموحدين بإرغام اليهود والمسيحيين في تونس على التحول إلى الإسلام. وبعد اعتناقهم للإسلام، وجب عليهم ارتداء ملابس خاصة تميزهم، لأن السلطات لم تقتنع بأن المسلمين الجدد كان صادقين باعتناقهم الإسلام.

حكمت سلالة الحفصيين تونس في الفترة الممتدة ما بين 1229-1574، مما أدى إلى تحسين ظروف معيشة اليهود، غير أن الممارسات والقوانين التمييزية تواصلت. وفي حين كان اليهود متواجدين في مدن القلعة والمهدية (المغرب) وجربة ومدينة تونس، إلا أنه حُظّر عليهم في البداية العيش داخل مدينة تونس. وإثر انتصار الملك الفرنسي لويس التاسع الذي أطلق حملة صليبية على تونس في القرن الثالث عشر، أُعلنت بعض المدن مثل القيروان كمدن مقدسة، فاضطر اليهود الذين يعيشون فيها إلى مغادرتها أو اعتناق الدين الإسلامي.

كما اشتد الاضطهاد في القرنين اللاحقين، كما يتضح من جدول الضرائب المعقّد الذي فُرض على اليهود: فإلى جانب الضريبة العامة التي كانت مفروضة على المسلمين أيضاً، فُرض على اليهود دفع الجزية. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك ضريبة سنوية خاصة على اليهود العاملين في مجال الصناعة أو التجارة.

في نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر، وصلت مجموعة من اليهود الإيطاليين إلى تونس، مما نتج عنه انقسام اليهود إلى جماعتين: المهاجرين (الجرانة) والأصليين (التوانسة). ونظراً إلى أن جماعة الجرانة احتفظوا بالجنسية الإيطالية، فقد كان وضعهم القانوني أرفع شأناً وكانوا يعيشون في الأحياء الأوروبية. وبالتالي لم يتعرضوا للإذلال والتهديدات الأمنية التي تعرض لها التوانسة. ومع احتلال العثمانيين لتونس، تحسن الوضع الأمني لليهود التوانسة. فقد استقل اليهود نسبياً في تلك الفترة وكانوا يمارسون شعائرهم الدينية بحرية، غير أنهم تعرضوا لكافة أنواع الإذلال. فعلى سبيل المثال، كان يتوجب عليهم ارتداء ملابس خاصة تميزهم، ولم يكن يسمح لهم بركوب الخيل، وإذا ركبوا (على البغل مثلاً) كانوا يمنعون من استخدام السرج.

مع تزايد النفوذ الأوروبي في تونس في بداية القرن الثامن عشر، بدأ اليهود يتمتعون بقدر أكبر من الحقوق. يعزى ذلك إلى قيام السلطات الأوروبية بتحسين أوضاع المسيحيين الذين كانوا يخضعون للقوانين ذاتها التي كان يخضع لها اليهود في تلك الفترة. وفي عهد محمد باي (1855-1881)، تم إلغاء القيود التي كانت مفروضة على اليهود. كما وقع محمد باي وثيقة عهد الأمان ووضع دستوراً استمر حتى عام 1864، والذي نصّ للمرة الأولى على المساواة في الحقوق لجميع التونسيين بغض النظر عن العقيدة. ووفق الفقرة الرابعة من الدستور “لا يجوز إرغام أي فرد يهودي بأية طريقة كانت على تغيير دينه كما لا يجوز منعه من ممارسة شعائره الدينية بحرية. ويجب احترام معابده وحفظها من الإهانة”؛ وتضيف الفقرة السادسة “في حالة إصدار المحكمة الجنائية الحكم على يهودي، يجب تواجد قضاة يهود أعضاء في المحكمة المذكورة”.

إلا أن وثيقة عهد الأمان فرضت على الشعب التونسي دفع المزيد من الضرائب، وبالتالي لاقت معارضة من معظم المواطنين الذين كانوا يعيشون في ظل ظروف اقتصادية صعبة. وأدى التزعزع الاقتصادي في تلك الفترة إلى ثورة ضد القادة وإلغاء الدستور عام 1864 وتراجع وضع اليهود مرة أخرى. وكان للغزو الفرنسي لتونس، في أواخر القرن التاسع عشر إلى فرض الحماية على البلاد عام 1881، تأثير كبير على نمو اليهود حتى يومنا هذا. ومع رفع شعار “الحرية والمساواة والإخاء”، أمل اليهود بتحسن ظروف معيشتهم في ظل الحماية الفرنسية. فسارعوا إلى اعتماد نمط المعيشة الفرنسي، كما حصل البعض منهم على الجنسية الفرنسية، فأقصوا بأنفسهم أكثر عن الغالبية المسلمة في تونس. بالإضافة إلى ذلك، أصبحت اللغة الفرنسية اللغة الأم بالنسبة إلى العديد من اليهود التونسيين الذين كانوا يتحدثون في السابق اليهودية العربية. وبالتالي، صدرت 78 صحيفة يهودية في الفترة الممتدة بين العامين 1878 و 1963 باللغة العربية اليهودية و 65 باللغة الفرنسية و 16 صحيفة فقط باللغة العبرية.

مع بداية الحرب العالمية الثانية، تأثرت سلطات الحماية الفرنسية المفروضة على تونس بما كان يحدث في أوروبا، بما في ذلك المحرقة التي قامت بها ألمانيا النازية، وتم وضع القانون الأول ضد اليهود في تونس عام 1940. نصت القوانين على تصنيف اليهود وفق عرقهم وحددت لهم حصصاً معينة في بعض المهن، مثل الطب والقانون. عام 1940، أصبحت تونس جزءً من حكومة فيشي مع زيادة كبيرة في عدد القوانين المناهضة للسامية. وعام 1942، بعد فترة وجيزة من وصول قوى التحالف إلى الجزائر والمغرب، احتل الألمان تونس. وتم اعتقال عدد من الشخصيات اليهودية رفيعة المستوى، بمن فيهم موزيز بورغيل رئيس الطائفة اليهودية. تحت الاحتلال النازي، أرغم اليهود على وضع شارة عليها نجمة داود وفرضت عليهم غرامات وتم الحجز على ممتلكاتهم. كما تعرضوا للمضايقات والاضطهاد، وتم إرسال أكثر من 5000 يهودي إلى معسكرات العمل، حيث توفي 46 منهم على الأقل. كما تم إرسال 160 يهودي من تونس إلى معسكرات الاعتقال في أوروبا. وقبل الحرب العالمية الثانية، كان هناك 100,000 يهودي تقريباً يعيشون في تونس، إلا أن عدد اليهود المتبقين في المنطقة لا يتخطى في وقتنا الحالي الـ 1000 تقريباً، حيث هاجر العديد منهم إلى إسرائيل في العقود الماضية. ويعيش اليهود المتبقون في العاصمة تونس وجربة بشكل رئيسي. وفي كلتا المدينتين مدارس ومعابد يهودية. يقع أكبر كنيس يهودي، “الغريبة”، في جربة، والذي كان وجهة الحج السنوية طيلة عقود طويلة. عام 2002، تعرض الكنيس لهجوم مسلح من قبل القاعدة أدى إلى مقتل 21 شخصاً، معظمهم من السياح.

تمتع اليهود في تونس بدعم وحماية الرئيسين التونسيين السابقين: بورقيبة وبن علي. كما أعاد زعماء حزب حركة النهضة الإسلامية المعتدل الذي وصل إلى السلطة بعد الثورة التونسية التأكيد على حمايتهم. غير أنه نتج عن الحريات المكتسبة حديثاً من النظام الديمقراطي قليل الخبرة في تونس عودة الحركة السلفية، بما في ذلك السلفية الجهادية التي تعادي اليهود بشدة. بالإضافة إلى ذلك، أدى ظهور الخطاب المعادي لإسرائيل من قبل كافة الأحزاب السياسية إلى إثارة مشاعر معاداة السامية بين السكان، مما عرّض أمن اليهود المتبقين في تونس للخطر.

التركيبة الاجتماعية والاقتصادية

تحدد مؤسسات تقليدية كالجمعيات الأسرية والدينية، بالإضافة إلى الجمعيات الحديثة والمؤسسات التعليمية، هويةَ الشعب التونسي المعقدة والمتناقضة ظاهرياً في بعض الأحيان. ولا يقتصر التباين بين الحداثة والتمسك بالتقاليد فقط على اختلاف الأجيال والمناطق الجغرافية، وإنما أيضاً يظهر من خلال أنماط الحياة المختلفة للعلمانيين والإسلاميين.

تبقى الانقسامات الاقتصادية والتفاوتات الاجتماعية الإقليمية – التي أدت إلى الثورة التونسية عام 2010-2011 – التحديات الرئيسية. تستأثر المناطق الساحلية التونسية على معظم النشاطات الاقتصادية في البلاد. تستفيد تلك المناطق من الخدمات العامة بشكل كبير وتستحوذ على نسبة 65% من الاستثمار العام. في المقابل، تعاني المناطق النائية في تونس من التخلف الاقتصادي والفقر والبطالة التي تطال المجموعات المستضعفة في البلاد مثل النساء والشباب. فعلى سبيل المثال، عام 2007 بلغت نسبة البطالة 24,1% في جندوبة، و 25,1% في توزر، و 30% في قفصة (بين الشباب 40% في قصفة)؛ ونسبة الأطباء في ولاية جندوبة، إحدى المناطق، 1,4 لكل 10,000 شخص.

توزيع الدخل والفقر

يشكل الفقر مشكلة ريفية بشكل أساسي: ثلثا الفقراء تقريباً يعيشون في المناطق النائية. وتعتبر المناطق الشمالية الغربية والغربية الوسطى الأكثر فقراً في البلاد. ولم تساهم الزراعة غير المتطورة، المصدر الأساسي للدخل في المناطق الريفية، في تحسين الوضع. كما تظهر الفجوة بين الأغنياء والفقراء من خلال دخل الأسرة واستهلاكها: عام 2000، كانت نسبة 2,3% من إجمالي دخل أو إنفاق الأسرة من نصيب 10% من الفئة السكانية الأكثر فقراً في البلاد، مقابل 31,5% لـ 10% من الفئة الأغنى. عام 2005، سجّل مؤشر Gini في تونس، والذي يقيس مدى انحراف توزيع دخل الأسرة عن التوزيع العادل، المرتبة 40، مما وضع البلاد في المرتبة 61 من أصل 136 (المرتبة 136 تشير إلى التوزيع الأكثر عدلاً تقريباً).