الصفحة الرئيسية / تونس / من الماضي الى الحاضر / من العصور القديمة إلى الحماية الفرنسية

من العصور القديمة إلى الحماية الفرنسية

معبد روماني في دقة / Photo Shutterstock

المحتويات

الإمبراطورية البيزنطية
مجيء الإسلام
المملكة الرستمية
السلالة الفاطمية
الموحدون
سلالة الحفصيين
العثمانيون في إفريقيا
البايات الحسينيون
الحماية الفرنسية

منذ حوالي 200,000 سنة، سكنت تونس جماعات من العصر الحجري، تعود أصولها إلى أعماق إفريقيا، وكانت تعيش على صيد الحيوانات وجمع الثمار وصيد الأسماك. كان مناخ تونس حينها أكثر رطوبة ممّا هو عليه اليوم، وكان الجنوب عبارة عن مراعٍ وغابات. ومع التغيّر المناخي بعد العصر الجليدي الأخير، منذ حوالي 8000 سنة، أمست البلاد أكثر جفافاً وتشكلت الصّحراء جنوب تونس. وفي وقت لاحق، أتت الحضارة القبصيّة من الشرق. اعتمد القبصيّون على الزراعة، وأدخلوا الحياة القروية إلى تونس، واشتهروا بصناعة الفخار.

قرطاج


حوالي عام 1200 قبل الميلاد، وصل الفينيقيون إلى شمال إفريقيا، بما فيها ما يعرف اليوم بتونس. وطوال الحقبتين البونيّة والرومانيّة، كانت تونس المنطقة الرئيسية لاستيطان الفينيقيين، في منطقة يسكنها البربر تقليدياً. كان البربر يعيشون في قرى زراعيّة ضمت وحدات قبلية لها زعيم محلي يساعده مجلس شيوخ. كانت مدينة أوتيكا، شمال غرب تونس، أولى المستوطنات الفينيقية. إلا أن قرطاج أصبحت المدينة الأكثر أهمية، المدينة التي تأسّست حوالي عام 810 قبل الميلاد بالقرب من تونس الحالية. تقول الأسطورة إن ابنة بجماليون ملك صور هي التي أسست قرطاج، جزئياً لمواجهة النفوذ اليوناني المتزايد في المنطقة. وسريعاً ما تحولت قرطاج لتصبح القوة الأهم في المنطقة، وبسطت سيطرتها من الساحل غرب ليبيا حتى الأطلسي. وبعد أن سيطر الفينيقيون على أجزاء كبيرة من الشريط الساحلي، بدأوا باستيطان الداخل، خاصة وادي مجردة وشبه جزيرة الرأس الطيب التي وفرت لهم الأرض الخصبة للزراعة. حارب القرطاجيون الإغريق على جزيرة صقلية واستولوا عليها في القرن الثالث قبل الميلاد.

خاضت قرطاج ثلاث حروب بونية ضد الإمبراطوريّة الرومانية. تشتق اللفظة “بوني” من “بونيشي”، اللفظة اللاتينية لكلمة “قرطاجيين (فينيقيين)”. عام 263 قبل الميلاد، هاجمت روما قرطاج للمرة الأولى بهدف استعادة جزيرة صقلية. ودامت الحرب، التي قادها القائد حملقار برقا، 20 سنة قبل استسلام قرطاج، التي أصبحت شبه مفلسة في ذلك الوقت. وبعد أربعة أعوام، نجح الرومان في الاستيلاء على جزيرتي سردينيا وكورسيكا. ونتج عن إفلاس قرطاج المزيد من المشاكل، خاصة بعد أن بدأ الجنود الذين لم يكونوا يتقاضون أجورهم بالاحتجاج والتمرد.

قاد هنيبعل ابن حملقار برقا القرطاجيين في الحرب البونية الثانية، واستولى على إسبانيا عام 221 قبل الميلاد. وبعد أن أقسم العداء لروما في التاسعة من عمره، اتجه إلى إيطاليا على رأس جيش يتألف من 90,000 من المشاة و 12,000 من الخيالة و 37 فيلاً (لم ينجُ منهم سوى 23,000 جندياً و 17 فيلاً أثناء عبور جبال الألب). وعلى الرغم من براعة هنيبعل في القتال – خصوصاً في معركة كاناي التي هزم فيها الجيش الروماني المؤلف من 80,000 جندي – لم ينجح في احتلال روما التي كان عدد قواتها يفوق عدد جيشه إلى حد كبير.

لهزيمة قرطاج التي أضعفتها الحرب البونية الأولى والثانية، شنّت روما الحرب البونية الثالثة عام 149 قبل الميلاد. وتمكن الجيش الروماني من الاستيلاء على مدينة أوتيكا بعد ثلاثة أعوام من القتال. خلفت الحرب دماراً كبيراً في المدينة ومحيطها. وكانت تلك نهاية استقلال قرطاج .

تمثال هنيبعل القائد العسكري القرطاجي
قرطاج التاريخية، تحفة فنية
منظر جوي لآثار الميناء العسكري في قرطاج التاريخية
فسيفساء إيطالية (1510) تصوّر فرسان هنيبعل على الفيلة، بالازو ديل كامبيدوغليو (متحف الكابيتول)، روما

تونس تاريخ حرب
الحرب بين قرطاج و رومة 264-241 قبل الميلاد

الحقبة الرومانية

بعد الاستيلاء على قرطاج في أعقاب الحرب البونية الثالثة، ترك الرومان في البدايةً العديد من الأراضي التي كانوا قد استحوذوا عليها للحكام البربر في نوميديا والمملكة الليبية القديمة في الجزائر وجزء صغير من تونس الغربية (202-46 قبل الميلاد). في السابق، كانت نوميديا مهمّشة نظراً لهيمنة قرطاج على المنطقة، بيد أنها نجحت في إنشاء مملكة ضمّت ليبيا وغرب الجزائر. حاولت روما في عدة مناسبات تقسيم المملكة للحد من هيمنتها الإقليمية قبل أن تنجح في إحكام السيطرة عليها كلياً عام 46 قبل الميلاد.

شهدت المنطقة التي تعرف اليوم بتونس فترات طويلة من الازدهار في القرون اللاحقة. أعاد الرومان بناء وتنظيم أجزاء كبيرة من أراضي قرطاج ومدنها. وأعاد يوليوس قيصر بناء قرطاج التي أصبحت المدينة الثالثة في الإمبراطورية الرومانية وعاصمة مقاطعة أفريقية. ومن بين المدن الأخرى التي أعيد بناؤها: شالة ووليلي وموكادور (في المغرب). أتى الناس من جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية إلى قرطاج، نظراً إلى غنى المناطق المحيطة بها للزراعة؛ فعلى سبيل المثال، كانت هضبة التل ووادي مجردة ينتجان أكثر من 60% من إنتاج الإمبراطورية من القمح. وفي ظل الحكم الروماني، لم تصبح المدينة مركزاً اقتصادياً فحسب، وإنما أيضاً ازدهرت ثقافياً.

في حين بقي بعض البربر فقراء في الحقبة الرومانية، تمكّن آخرون من الارتقاء في السلم الاجتماعي، مثل أبوليوس، الشاعر الذي جاب جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية. كما حصل العديد من البربر على الجنسية الرومانية. وأنشأ بعض الأثرياء مسارح وحمامات ومعابد لا يزال بعضها مواقع أثرية اليوم، كما في “دقّة”، الموقع الروماني الأكثر أهمية في تونس وأحد مواقع اليونسكو للتراث العالمي. تقع دقّة على تلة في ريف شمال تونس.

مدرّج قصر الجمّ
معبد دقة
تونس
الامبراطورية الرومانية

الفاندال

في القرن الخامس الميلادي، قام جايسريك ملك الفاندال، مجموعة قبلية من المسيحيين الأريوسيين الجرمان، مع حلفائه الألانيين الإيرانيين، بمهاجمة الأراضي الرومانية في شمال إفريقيا، والتي اعتقدوا أنه من السهل غزوها. عام 429، هاجر حوالي 80,000 شخص من رجال ونساء وأطفال إلى نوميديا الواقعة غرب قرطاج. عام 439، استولى الفاندال على مدينة قرطاج، والتي أصبحت مركز مملكتهم. ولضمان تفوّقهم، عقد الفاندال تحالفات مع البربر. قام الملك جايسريك بتوسيع أراضيه، واحتل روما، التي كانت قد أضعفتها الخلافات الداخلية، عام 455. كما احتل جزر صقلية وسردينيا وكورسيكا.

على الرغم من تحالف البربر مع الفاندال، إلا أنهم عانوا من اضطهاد ديني شديد في عهدهم. غير أن قوتهم تعاظمت على مر السنين وشكلوا تهديداً لأمن الفاندال. لم يقم الفاندال ببناء ثقافة أو بنية تحتية اقتصادية، مما أسهم في انحطاطهم. دام حكمهم على المنطقة التي تضم ما يُعرف اليوم بتونس أقل من قرن من الزمن.

تونس تاريخ
امبراطورية الفاندال

الإمبراطورية البيزنطية

موزاييك في متحف باردو

أعاد جستينيان، الذي حكم الإمبراطورية البيزنطية من القسطنطينية، إحياء القسم الشرقي من الإمبراطورية التي تحولت إلى المسيحية. ولتنفيذ خطط مماثلة في القسم الغربي، أرسل القائد فلافيوس بيليساريوس لمحاربة الفاندال، فتمكن من هزيمتهم عام 533. وهذا ما مهد الطريق للحكم البيزنطي الذي دام 150 عاماً وأدى إلى تعاظم النفوذ المسيحي في المنطقة التي تضمّ تونس. غير أن الحكم البيزنطي المباشر اقتصر على المدن الساحلية التونسية، فيما بقي داخل البلاد تحت سيطرة قبائل بربرية مختلفة.

في مطلع القرن السابع، واجهت الإمبراطورية البيزنطية تحديات عديدة أسهمت في تشكيل كيانها في السنوات اللاحقة. في ذلك الحين، كان البيزنطيون في حالة حرب شبه دائمة مع الفرس الساسانيّين. بينما نتج عن هذه الحروب تغييرات طفيفة في الحدود بشكل عام، إلا أن الإمبراطورية البيزنطية ضعُفت كثيراً في مطلع القرن السابع بعد هزيمة الإمبراطور موريس من قبل السّاسانيين الفرس وغزوها اللاحق في عهد كسرى الثاني.

جلس هرقل، ابن حاكم ولاية قرطاج، على عرش روما عام 619 واستعاد الإمبراطورية. وبنى دفاعات وأعاد تنظيم الحكومة لمواجهة الفرس الذين تابعوا غزوهم دون مقاومة تُذكر. استولى هرقل على إنطاكيا عام 611 والقدس عام 614 والإسكندرية عام 619. وعندما حاول الفرس احتلال القسطنطينية، أرسل هرقل جيشاً رومانياً للدفاع عن المدينة. وبشكل غير متوقع، كان النصر حليف قوات هرقل، وقتل كسرى الثاني ملك الفرس عام 628. بعد أن ضعفت بلاد فارس، تمكّن هرقل من استعادة السيطرة على المنطقة التي تشمل الآن مصر وسوريا.

لكن في ذات الوقت تقريباً، تعرضت الإمبراطورية البيزنطية لتهديد جديد من الجنوب. فقد جاء النبي محمّد (570-632) بدين جديد طمح العرب إلى نشره في كل أنحاء المنطقة. وفي معركة اليرموك (636)، هزم العرب المسلمون البيزنطيين واستولوا على مصر وسوريا.

مجيء الإسلام

المسجد الكبير في القيروان

في منتصف القرن السابع، واجهت المسيحية تحديات كبيرة في شمال إفريقيا، بما فيها تونس الحالية. بعد وفاة النبي محمّد، سيطرت الخلافة الأموية، التي حكمت بين 661-750 من دمشق، على الدولة الاسلامية المؤسسة حديثاً. وبقيادة عقبة بن نافع، دخل جيش عربي مسلم عام 670 إلى مقاطعة أفريقية الرومانية، وأسس باسم الدولة الأموية في دمشق مدينة القيروان (الحصن) التي أصبحت قاعدتهم في نضالهم ضد الاحتلال. كشف موقع مدينة القيروان بين الساحل والجبال عزم عقبة بن نافع على توسيع نفوذه إلى المناطق البربرية الجنوبية المستقلة في تونس، والتي لم تنج من سيطرة القرطاجيين والرومان.

كانت المقاومة الرئيسية للجيوش العربية المسلمة تتألف من قوات بربريّة، وغالباً من المسيحيين بقيادة كسيلة. لكن في نهاية المطاف، هُزم البربر وسُجن كسيلة. بالكاد اكتمل الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا حتى تولى الخليفة عبد الملك السلطة (685-705)، مما أدّى إلى احتلال قرطاج ذات الأهمية الاستراتيجية.

على الرغم من التقدم التدريجي للجيوش العربية المسلمة في الأراضي البربرية، واصل بعض البربر المقاومة بشراسة. فعلى سبيل المثال، هاجمت قبيلة جراوة، زعيمتها امرأة عُرفت بين العرب باسم “الكاهنة”، جيوش المسلمين باستمرار، مع أنّها لم تشكل تهديداً على قاعدتهم في القيروان لأسباب استراتيجية. عام 696، هزمت الكاهنة العرب في تبسة، في الجزائر اليوم، لكنها لاقت مصرعها في نهاية المطاف في مدينة الجم الرومانية. بعد وفاتها، أصبحت الكاهنة أسطورة وبطلة وطنية يُحتفل بذكراها في تونس حتى يومنا هذا.

بعد سقوط الخلافة الأموية في دمشق عام 750، ازداد اضطراب البربر في شمال إفريقيا. وساعد قيام الخلافة العباسية السريع في بغداد عام 750 على احتواء الاضطرابات بعض الشيء. كما ضايق البعد الجغرافي لعاصمة الخلافة بعضاً من عرب أفريقية، الذين أزعجهم تدخل الخليفة في ما اعتبروه شؤوناً إقليمية. خلال الاضطرابات المتزايدة، قاد ابراهيم بن الأغلب، أحد الزعماء المحليين، جيشاً مكّنه من إرساء الاستقرار في أفريقية. وبعدما أعاد الاستقرار، مُنح لقب “أمير” وحكم هو وسلالته أفريقية بين 800-909. وفي عهد الأغالبة، تحسن اقتصاد أفريقية بشكل ملحوظ. كما تم تحسين نظام توزيع المياه لتزويد المدن وتعزيز زراعة أشجار الزيتون وغيرها من المنتجات الزراعية. وتم إنشاء طرق تجارية تربط أفريقية بالمناطق الداخلية من القارة، بما فيها السودان والصّحراء الكبرى. وربطت الطرق البحرية أفريقية بالإسكندرية في مصر، والتي سرعان ما أصبحت وجهة رئيسية للتجار.

على الرغم من الازدهار النسبي للسكان في ذلك الوقت، لم يحظ الحكم بشعبية في صفوف العرب والبربر. ويعزى ذلك إلى عدة عوامل مشتركة: افتقار النظام إلى الشرعية، والذي حكم من بغداد البعيدة جداً؛ نمط حياة الحكام “غير إسلامي” ؛ وعدم احترامهم للبربر الذين اعتنقوا الإسلام. فمثل هذه الممارسات كانت متعارضة مع المذهب المالكي الإسلامي السائد في تونس.

المملكة الرستمية

تونس تاريخ
المملكة الرستمية (الاسود)

تأسست المملكة الرستمية إثر تمرّد الخوارج على علي بن أبي طالب، الخليفة الرابع، الأمر الذي تسبب بانقسام جيوشه. كان الخوارج من أتباع معتقد متزمت ينادي بالمساواة استقطب عدداً كبيراً من البربر. وما لبث أن ثار الخوارج من البربر في شمال إفريقيا ضد الحكام بسبب سياسة التمييز ضد البربر المسلمين على شكل فرض ضريبة خاصة عليهم. وتلى ذلك عقود من الاشتباكات بين الخوارج والنظام الإسلامي العربي، نتج عنه هزيمة الخوارج البربر عام 772.

بقي بعض الخوارج في المنطقة وأسسوا دولة عاصمتها تيارت عام 776، على المنحدر الجنوبي من جبال الونشريس الموجودة اليوم في الجزائر. استمرت هذه الدولة حتى عام 909 وأصبحت جزءً من المملكة الرستمية التي أسسها عبد الرحمن بن رستم، إمام ذو أصول تونسية وفارسية. وحكمها زعماء دينيون من سلالة بن رستم.

لم يتمكن الأغالبة في أفريقية من هزيمة المملكة الرستمية المجاورة، وأرغموا على الاعتراف بسلطتها على منطقة الصحراء الكبرى في شمال إفريقيا. استمدت العاصمة تيارت ثروتها من سيطرتها على التجارة عبر الصحراء الكبرى؛ كان يتم نقل الذهب والعاج والعبيد على طول الطريق، مقابل الحصول على سلع مصنعة في حوض البحر الأبيض المتوسط. استقطبت المملكة الناس من جميع أنحاء العالم الإسلامي، بما في ذلك المسيحيين الذين كان الخوارج يرحبون بهم. عام 909، احتل الفاطميون المملكة الرستمية ومقاطعة الأغالبة في أفريقية لكن لا يزال هناك بعض الخوارج في شرق الجزائر وغرب ليبيا وجزيرة جربة في تونس.

السلالة الفاطمية

تونس
الخلافة الفاطمية

تأسست الحركة الفاطمية على يد أبو عبد الله الشيعي من اليمن وعبيد الله من سوريا. ظهرت هذه الحركة في المغرب بدعم من قبيلة كتامة البربرية من شرق الجزائر الحالية. كانت الحركة الفاطمية فرعاً من المذهب الشيعي، نظراً إلى أن عبيد الله المهدي بالله متحدر من نسب فاطمة ابنة النبي محمّد، ومن هنا جاء اسم الحركة. رحبت قبيلة كتامة البربرية برفض الفاطميين للخلافة في بغداد وانضموا إليهم. وحرصاً على توسيع نطاق أراضيهم، هاجم الفاطميون الحكام الأغالبة على نحو متكرر، مما زاد من عدم استقرار أفريقية. عام 909، غزا الفاطميّون مدينة القيروان وفرضوا إخلاء قصر رقادة، كما استولوا في الوقت ذاته تقريباً على المملكة الرستمية.

بنيت “المهدية”، عاصمة الفاطميين على الساحل الشرقي لأفريقية، على اسم المهدي بالله، اللقب الذي كان يطلقه عبيد الله المهدي بالله على نفسه. استمدّ الفاطميون شرعيتهم من مصدرين: صلتهم المباشرة بالنبي محمّد؛ ولقب الخليفة الذي مُنح لأول حاكم لهم. مع ذلك، عارض العديد من السنّة بشدة توسع الفاطميين في أفريقية، بما في ذلك القيروان، نظراً إلى أن التعاليم الفاطمية الشيعية كانت متعارضة بشدة مع تعاليم المذهب المالكي السائد في ذلك الوقت. بشكل خاص، لم يكن نظام ضرائب الفاطميين القاسي مستحباً بين السكان السنّة. وكانت وفاة عبيد الله المهدي فرصة للخوارج لشن هجوم واسع النطاق على الفاطميين الذين كانوا حينها خاضعين لحكم ابن عبيد الله المهدي. أدى هذا الأمر إلى هزيمة هذا الأخير في المهدية في منتصف القرن العاشر، ولكن الفاطميين عادوا في النهاية إلى ساحة المعركة ونجحوا في محاصرة الخوارج.

جامع الأزهر في القاهرة

لم يتمكن الفاطميون من فرض حكم صارم على شمال إفريقيا وتوسيع نطاق أراضيهم إلا في عهد المعز لدين الله، الخليفة الفاطمي الرابع، الذي تميز بسياساته الحربية الناجحة ودبلوماسيته الفعالة. لكن عام 968 اتجه الفاطميون شرقاً واحتلوا مصر وأسسوا عاصمتهم القاهرة. كما أسّسوا الجامع الأزهر الذي أصبح المركز الأساسي للمسلمين السنّة. عام 973، انتقل الخليفة الفاطمي المعزّ من أفريقية إلى مصر، و حكم حتّى عام 1171. ولم يعد الفاطميّون – الذين شكّلوا لفترة ما القوّة الإسلامية المهيمنة – إلى أفريقية على الإطلاق. واختفت قبيلة كتامة البربرية تدريجيّاً من مصر و شمال إفريقيا بعد صراع مرهق مع الفاطميين. وفي نهاية المطاف، أصبحت أفريقية خاضعة للبربر. وأصبح بولوغين بن زيري مؤسس السلالة الزيرية أول حاكم عليها. في حين كان البربر في البداية تحت حماية الخليفة الفاطمي الشيعي، إلا أنهم نالوا استقلالهم عام 1048. ونحو نهاية القرن الحادي عشر، غزت قبيلة بني هلال أفريقية وأضعفت السلالة الزيرية بشكل كبير. وإلى جانب عدم الاستقرار، استولى الصقليون النورمانديون على مدينة المهدية عام 1148.

الموحدون

تونس تاريخ
دولة الموحدون

تأسست حركة الموحدين في المغرب من قبل ابن تومرت من قبيلة مصمودة البربرية، وحكمت شمال إفريقيا منذ عام 1130. اتبعت هذه الحركة التفسير المتزمت للشريعة الإسلامية الذي يعلّم بوحدانية الله. ورفضوا تعاليم المذهب المالكي السني وكافة المذاهب الإسلامية الأخرى. بعد وفاة ابن تومرت، خلفه عبد المؤمن كأول خليفة من الموحّدين، وكانت مهمته تشكيل مجتمع إسلامي موحّد في شمال إفريقيا بهدف غزو شرق المغرب العربي. في منتصف القرن الثاني عشر، وصل عبد المؤمن إلى الإمبراطورية الزيرية التي كانت آنذاك مزعزعة جداً جرّاء غزو النورمانديين لمدنية المهدية قبل بضع سنوات.

احتل عبد المؤمن مدينة تونس، مستفيداً من عدم الاستقرار في أفريقية، وتمكن من هزم النّورمانديين الذين غادر معظمهم أفريقية وبقي عدد قليل منهم كتجار. واصل عبد المؤمن احتلال الأراضي واستولى على طرابلس في نهاية المطاف. وللمرة الأولى، اتحد المغرب العربي تحت سلطة محلية. دفعت قوة الموحدين وثروتهم وصيت جيوشهم بملك إنكلترا جون إلى التحقق من قوة المغرب العربي الكبيرة لتحديد فيما إذا كان الموحدون يخططون للاستيلاء على إقليم أكيتانيا الإنجليزي شمال جبال البيرينيه.

لكن في النهاية، لم يكن للموحّدين الموارد البشرية والمادية اللازمة لإدارة إمبراطوريتهم البعيدة والدفاع عنها. ولم يمض عقدان من الزمن حتى أطلق بنو غانية، الذين كانوا يعتبرون أنفسهم ورثة المرابطين، ثورة في جزر البليار. فبلغ التمرد أفريقية عام 1148 وتزعزع استقرار المنطقة خلال العقود الخمسة التالية.

سلالة الحفصيين

بنيت مدينة تونس في عهد الحفصيين (مسجد الزيتونة – إلى اليسار – منذ عام 703)
تونس
الحفصيون

خلفت سلالة الحفصيين إمبراطورية الموحدين عام 1230، واستمرت حتى عام 1574. رفض الحفصيون سلطة الموحدين، مدعين أنهم الورثة الحقيقيون لابن تومرت، مؤسس حركة الموحدين. خلال حياته، أسّس ابن تومرت “مجلس العشرة” الذي تألف من أكثر الموالين للموحدين. وكان أبو حفص عمر الهنتاني أحد الأعضاء النافذين في هذا المجلس، والذي كان ابنه عمر الهنتاني حاكم إقليم أفريقية منذ عام 1207 وحتى وفاته عام 1221. أصبح أبو زكريا، ابن عمر الهنتاني، حاكم قابس وفي وقت لاحق مدينة تونس.

عقب الخلافات مع الموحدين، أعلن أبو زكريا استقلال الدولة الحفصية، ومنح نفسه لقب “أمير”. خلال السنوات اللاحقة، استولى أبو زكريا على مدن أفريقية، كما الجزائر في الغرب وطرابلس في الشرق. ركّز الحفصيون حكمهم في المناطق الساحلية، تاركين المناطق الداخلية للبربر. وسرعان ما تم الاعتراف رسمياً بسيادة الحفصيين على المنطقة من قبل الدول المجاورة، كالمغرب والأندلس. عام 1259، أصبح المستنصر ابن أبي زكريا خليفة العالم الإسلامي رسمياً بعد سقوط بغداد عام 1258. لكن بعد ثلاث سنوات فقط خسر الحفصيون اللقب لأعدائهم، إلا أنهم بقوا قوة إقليمية كبيرة. في عهد السلالة الحفصية، أصبح المذهب المالكي مرة أخرى المذهب الرئيسي في المنطقة، بيد أنه تغير من الداخل وتحرر جزئياً. وتم قبول العرف المحلي كجزء من الإطار القانوني. وفي القيروان مثلاً، أعيدت صياغة عقود الزواج لمراعاة حقوق المرأة بشكل يحظر على الزوج اتخاذ أكثر من زوجة واحدة. وفتح مفهوم “المصلحة العامة” الشريعة الإسلامية على تفسيرات تأخذ في الاعتبار احتياجات المجتمع وظروفه الخاصة، وهو تطور أدى إلى تشكيل تونس حتى وقتنا الحاضر.

ازدهرت الدولة الحفصية نسبياً من خلال زيادة التجارة الإقليمية، لا سيما بين الصحراء الكبرى والسودان ومع دول البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك الدول الأوروبية التي تبادل الحفصيون السفراء معها. تم تطوير الأنظمة والقوانين في جميع أنحاء المنطقة لتنظيم التجارة. كما تم تحسين أنظمة الشحن لضمان كفاءة التجارة البحرية، وأصبحت مدن تونس والمهدية وقابس وجربة أهم الموانئ فيما يعرف اليوم بتونس. وتم إغناء الشريعة وتوسيعها لضمان القضايا الأخلاقية وتنظيم التجارة من خلال تعزيز الأمن في السوق ومبادئ العمل النزيه والإشراف على الممارسات التجارية الهامة.

لكن في بداية منتصف القرن الرابع عشر، واجهت المنطقة صعوبات اقتصادية كبيرة ناشئة عن عوامل عديدة، منها المشاكل المتزايدة في تجارة الصحراء الكبرى. كما تعرض نفوذ الحفصيين للخطر بسبب نزاعات القوى الإقليمية. عام 1270، وخلال الحملة الصليبية الثامنة، ساءت العلاقات بين أوروبا والحفصيين عندما حاول ملك فرنسا لويس التاسع الاستيلاء على تونس. وفي منتصف القرن الثالث عشر، شكلت قوة المغرب المتصاعدة، الخاضعة للمرينيين في فاس، تهديداً للدولة الحفصية؛ استولت المغرب على مدينة تونس مرتين لفترة وجيزة. وفي النهاية، أدى الصراع الداخلي بين الحفصيين – والحرب التي جرت بين الأتراك والأسبان – إلى انحطاط سلالة الحفصيين. وأصبح الحكام الحفصيون ضعفاء إلى درجة أنهم وقفوا عاجزين أمام التدخل الخارجي: أدّى الغزو التركي لتونس عام 1574 إلى نهاية السلالة الحفصية.

العثمانيون في أفريقيا

خضر حيدر الدين بربروس باشا مؤسس السلطة العثمانية في منطقة البحر الأبيض المتوسط بين 1500 و 1545لوحة من القرن السادس عشر لفنان غير معروف (متحف اللوفر في باريس)

شهد القرن السادس عشر اقتتال القوتين العظميين في العالم – الإمبراطوريتين الإسبانية والعثمانية – للسيطرة على شمال إفريقيا، بما في ذلك أفريقية. احتل العثمانيون القسطنطينية والبلقان في القرن الخامس عشر، وسوريا ومصر في أوائل القرن السادس عشر. وتحولوا بعد ذلك إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط سعياً وراء إمكانية توسيع إمبراطوريتهم. ومع بداية القرن السادس عشر، كان الأسبان قد احتلوا عدّة مواقع استراتيجية في منطقة البحر المتوسط، بما فيها طرابلس وبجاية والمرسى الكبير ووهران، وأبرمت معاهدات مع مدن أخرى كالجزائر وتونس. وبحكم موقعها القريب من تونس، استولت إسبانيا على ميناء حلق الوادي في نهاية المطاف. شجع احتلال إسبانيا لمواقع استراتيجية عديدة في منطقة البحر المتوسط وأفريقية الكبرى العثمانيين على التوسع باتجاه شمال إفريقيا للحد من سيطرة الأسبان على المنطقة. شكّل العثمانيون تهديداً أكبر من الأسبان على حكام السلالة الحفصية، مع أنّ العديد من المسلمين العرب وعلماء الدين فضلوا الحكم الإسلامي على الحكم المسيحي. بدأ الحكم العثماني في شمال إفريقيا من قبل الأخوين عروج وخضر (بربروس) اللذين جاءا إلى تونس كقائدين للقراصنة العثمانيين وسفن القرصنة والقراصنة العاملين من شمال إفريقيا. ومع حلول عام 1510، ازدهر الشقيقان بشكل كبير لدرجة أنهما قرّرا إقامة قاعدة مستقلة لهما والانتقال الى حلق الوادي وجربة. بعد فترة وجيزة من وصولهما، قاما بعقد صفقات مع الحفصيين بغية تقاسم أرباح القرصنة.

في أوائل القرن السادس عشر، انتقل الأخوان إلى الجزائر الحالية لاحتلال الجزائر العاصمة. في ذلك الوقت، كان الأسبان يحكمون الجزائر، ومع أنهما لم يتمكنا من السيطرة على المدينة عسكرياً، إلا أنهما استوليا على الميناء من جزيرة الصخرة المحتلة. وبعد دخول الجزائر، قُتل الأخ الأكبر عروج في محاولة للسيطرة على تلمسان. ثم تمكن بربروس (خضر) من الاستيلاء على مدينة الجزائر. وفي السنوات اللاحقة، اشتهر بربروس بعد انتصارات عدة في معارك بحرية، فمنحه السلطان العثماني إثر ذلك لقب باشا للقوات البحرية. استولى بربروس على تونس عام 1534، وكان شديد الانشغال بالتطورات خارج شمال إفريقيا. لكنّ الحكم العثماني على أفريقية تعزز مرة أخرى عام 1558 بعد هجوم درغوث، قرصان حكم طرابلس، على تونس ودخوله القيروان، أقدس مدينة في تونس. وسرعان ما تبع ذلك هجمات من الغرب. عام 1569، استولى ألوج علي، خليفة بربروس في الجزائر، على تونس عاصمة الدولة الحفصية.

في حين تحدت إسبانيا احتلال تونس عام 1569 – استولى الأسبان على المدينة عام 1973 – وبدأ ألوج علي في السنوات التالية بتثبيت نفسه في أفريقية. ولإثبات سيادته، قام بسجن آخر حكام السلالة الحفصية. عام 1581، دخل العثمانيون في هدنة مع إسبانيا، مما سهّل العلاقات بين القوتين فتقاسما الحكم بينهما في شمال إفريقيا: حكم العثمانيون أفريقية حتى القرن التّاسع عشر.

تونس العثمانية
الامبراطورية العثمانية

خلال السنوات التالية، كان العثمانيون الأمة الإسلامية الرائدة في العالم. وأُطلق على السلطان العثماني لقب الخليفة. وكان للحكم العثماني تأثير كبير على التاريخ الثقافي والقانوني التونسي. فعلى سبيل المثال، كان القانون العثماني لا يستند فقط على الفقه الإسلامي، وإنما أيضاً على فقه من العصر الروماني والبيزنطي وعادات وتقاليد العثمانيين والمغول. فضّل العثمانيون المذهب الحنفي على المذهب المالكي التونسي، لكن سُمح لبعض الفقهاء المالكيين بإصدار الأحكام.

أثرت اللغة التركية العثمانية على نحو متزايد على نخبة رجال الأعمال والكتّاب في تونس، وأبرزت انقسامات لغوية فيها من خلال تفضيل اللغة العربية على البربرية، التطور الذي يمكن ملاحظته بشكل واضح في تونس الحالية.

في البداية، لاقى العثمانيون ترحيباً في المناطق الحضرية على اعتبار تعزيز الاستقرار في المدن. غير أن الأمور كانت مختلفة تماماً في المناطق الريفية، حيث اعتبرت النخبة التركية مهيمنة ومتحفظة. لم ينجح الأتراك أبداً في التحكم باقتصاد الريف وتنظيمه بفعالية. فقد كان الاستقرار في عهد العثمانيين مهدّداً من الخارج كما من الدوائر التركية. عام 1587، أصبح الباشا العثماني حاكم إقليم أفريقية، وكان المنصب الذي يليه مباشرةً فيما يعرف بـ “باي تونس”.

ظهرت الاضطرابات في الجيش التركي عام 1591، وأصبح الداي – لقب القائد العسكري الجديد – حاكماً على تونس. في البداية، كانت صلاحياته محصورة بالعاصمة وبعض المدن الأخرى. أما في عهد عثمان داي وصهره يوسف داي، نعمت تونس بالازدهار والاستقرار النسبيين. وتم تمويل مشاريع البناء، بما في ذلك المساجد والحصون وغيرها من المشاريع العامة، من خزانة الدولة. كما ظهرت عدة مجموعات مصالح تمكنت في النهاية من تحدي سلطة يوسف داي.

في نهاية المطاف، ساندت هذه المجموعات الأراضي الخاضعة لسلطة الباي، والتي كان يتحكم بها المراديون. اشتهر مراد باي، مؤسس سلالة البايات، بعد نجاحه في قمع القبائل الثائرة، مما دفع بالسلطان العثماني إلى منحه لقب باشا، فاكتسب شرعية ومنزلة رفيعة ساهمت في سبعينيات القرن السابع عشر بشكل تدريجي في تحجيم سلطة الداي لصالح الباي. لكن البايات المراديين واجهوا انقسامات داخلية دفعت بالقوات الجزائرية إلى دخول تونس وبقائها فيها عدة سنوات. رافق هذا التحول في السلطة من الدايات إلى البايات سياسةً اقتصادية متغيرة، جزئياً نتيجة انخفاض دخل القراصنة بسبب الضغط الأوروبي. وتوسعت التجارة الزراعية مع دمج المناطق الحضرية أكثر فأكثر، غير أن النخبة التونسية الحاكمة ورجال الأعمال حققوا مكاسب من التجارة أكثر من الفئات الاجتماعية الأخرى، مما زاد من الانقسامات الاجتماعية.

البايات الحسينيون



تولى الحسين الأول بن علي، ضابط من الفرسان العثمانيين، الحكم عام 1705 بعد أن شارك جيشه في صد الغزو الجزائري على تونس. تمكّن الحسين بن علي من مقاومة الداي، الذي كان يسعى إلى بسط سيطرته على المنطقة، وذلك بفضل علاقاته الوثيقة مع القبائل التونسية والسلطات التونسية. كما سعى الحسين بن علي إلى تحقيق الشهرة عن طريق تعيين علماء وفقهاء من المذهب المالكي بدل أتباع المذهب الحنفي المفضلين لدى العثمانيين من جهة، والتضافر والتعاون لضمان ولاء القبائل البربرية من جهة أخرى. كما أطلق مشاريع أشغال عامة، كبناء المدارس والمساجد بهدف تعزيز شرعيته. غير أنّ الاستقرار النسبي لنظامه تزعزع عام 1735 بسبب نشوء خلاف بين ابن أخيه علي وابنه محمد بشأن الخلافة بعد الحسين بن علي. نتج عن ذلك حرب أهلية دامت خمس سنوات انتهت بانتصار علي. وبعد ستة عشر عاماً، عاد محمد ليصبح الخليفة الشرعي للبايات الحسينيين.

محمد الثالث الصادق(1859-1881)
محمد رشيد باي(1756-1759)
الحسين الأول بن علي(1705-1740)
علي الأول باي(1740-1756)

النفوذ الأوروبي

معاهدة باردو

أثناء حكم البايات الحسينيين، شهدت تونس في البداية فترة ازدهار، ولا سيما خلال فترة الثورة الفرنسية التي أدت إلى عجز اقتصادي في أوروبا تمت تغطيته جزئياً عن طريق الصادرات التونسية.

لكن في أوائل عشرينيات القرن التاسع عشر، بدأ الاقتصاد التونسي يتدهور. وفي أوائل القرن التاسع عشر، كانت تونس قد أوقفت عمليات القرصنة بموجب اتفاقية مع السلطات البريطانية والفرنسية. بالإضافة إلى ذلك، بدأت قوى أوروبية عديدة بتصدير منتجاتها إلى تونس، مما أدى إلى تغيير الأسعار المحلية بشكل أضرّ بالتجار التونسيين والسلطات الحاكمة. وبالتالي، لم يتمكن التجار المحليون من منافسة العديد من المنتجات الأوروبية، الأمر الذي صعّب عليهم بيع سلعهم وخدماتهم. بلغ النفوذ الأوروبي المتزايد ذروته عام 1881 حين فرضت فرنسا حماية على تونس استمرت حتى عام 1956. احتفظ البايات الحسينيون بمناصبهم تحت الحماية، غير أن دورهم أصبح مراسمياً إلى حد كبير.

الحماية الفرنسية


أعلنت روسيا الحرب على الأتراك عام 1877، مما أدى في النهاية إلى سقوط الإمبراطورية العثمانية. وبعد عقد من الزمن، اجتمعت القوى الأوروبية في مؤتمر برلين عام 1887 لمناقشة مستقبل الأراضي التي كانت للإمبراطورية العثمانية المهزومة. تقرر أن تحصل إيطاليا على ليبيا الحالية، في حين طالبت بريطانيا بالدعم الأوروبي لاحتواء الثوار في مصر المحتلة. وحصلت فرنسا على وعد بالسيادة على تونس، البلد المعروف بين القوى الاستعمارية بجودة مرافق الموانئ فيه وموقعه الاستراتيجي الهام على الحدود الجزائرية قرب جزيرة صقلية. في البداية، حاولت فرنسا التوصل إلى اتفاق مع الباي الحاكم حول احتلالها لتونس، غير أن المفاوضات فشلت. أعطت الغارة التي شنتها قبيلة الخرومير التونسية على الجزائر الفرنسية عام 1881 حجةً لفرنسا لغزو تونس. وسرعان ما فرضت فرنسا سلطتها على جميع أنحاء البلاد بجيش قوامه 36,000 جندي.

في أيار/مايو عام 1881، أرغم محمد الثالث الصادق باي على توقيع معاهدة باردو التي فرضت سيادة فرنسا على تونس. وبعد التوقيع على المعاهدة، اندلعت الثورات في جميع أنحاء البلاد – رفض السكان الحكام الجدد وخضوع البايات لهم. فرضت اتفاقية المرسى (1883) حماية فرنسية على البلاد مع ضمان استقلال تونس الرسمي. وسُمح للباي بالبقاء في منصبه، وبقيت المعاهدات الثنائية القائمة سارية المفعول. إلا أن سلطة المقيم العام الفرنسي كانت لا تضاهى: كان رئيس الوزراء وقائد القوات المسلحة ورئيس الشؤون المالية في تونس، كما كان مخولاً بإعادة هيكلة المسائل القضائية والمالية. وسرعان ما أصبح البايات مجرّد وسيلة لوضع القرارات الفرنسية وإضفاء الشرعية عليها.

بحلول نهاية القرن التاسع عشر، تمكن الفرنسيون من إحكام سيطرتهم على تونس من خلال مجموعة من القوانين والتدابير. وأُرغم البايات على تعيين أشخاص مخلصين لا يعارضون الفرنسيين في مناصب رئيسية، مثل منصب رئيس الوزراء، بينما تمت إقالة الذين دعموا الثورة المناهضة للفرنسيين عام 1881. وضع المقيم العام مراتب إدارية تم الإعلان عنها لاحقاً من قبل الباي، لتقليص سلطة هذا الأخير في البلاد. وللسيطرة على السلطات المحلية بفعالية أكبر، سمح الفرنسيون للقادة وحكام المقاطعات والشيوخ بالاحتفاظ بمناصبهم، علماً أن فرنسا كانت تشتري ولاءهم بحكم الأمر الواقع. كما عينت السلطة الفرنسية “مراقبين مدنيين” مهمتهم الإشراف على حكام المقاطعات والشيوخ. وعندما تمت السيطرة على جهاز الاستخبارات السرية في تونس في نهاية القرن التاسع عشر، أصبحت السيادة الفرنسية منيعة. على الصعيد الاقتصادي، وضعت الدولة الفرنسية مسألة تقليص ديون تونس على رأس أولوياتها، وذلك من خلال الإشراف على تحصيل الضرائب، وغير ذلك. نتج عن ذلك استقرار أموال الدولة. وعلى صعيد القضاء، تم إنشاء محاكم وقوانين فرنسية للفصل في قضايا المقيمين الأجانب والفرنسيين، فضلاً عن قضايا بين الأوروبيين والتونسيين. كما واصلت المحاكم الإسلامية عملها إلى جانب النظام القانوني الفرنسي للفصل في قضايا التونسيين. كما قام الفرنسيون بتحديث الاتصالات والتعليم في تونس. فأصبحت كافة المدارس، بما في ذلك المدارس الإسلامية، تابعة لمدير التعليم العام الفرنسي. ولتقليص الفجوة التعليمية بين الفرنسيين والتونسيين، تم إدخال نظام تعليمي موحد. وتم تأسيس مدارس فرنسية عربية تدرّس باللغة الفرنسية واللغة العربية كلغة ثانية. وأصبحت المدرسة الصادقية الأكثر شهرة، والتي أسسها خير الدين باشا، والتي ضمنت لخريجيها تولي مناصب سياسية أو اقتصادية رفيعة المستوى بفضل نظام القبول التنافسي والمعايير التعليمية العالية.

أحمد الثاني بن علي(1929-1942)
محمد الثامن الأمين(1943-1956)
محمد السابع المنصف(1942-1943)
محمد الرابع الهادي(1902-1906)

حزب الدستور


بسط الفرنسيون سيطرتهم على الدولة التونسية بشكل فعال، على الرغم من وضعها كمحمية. في البداية، لم تكن للثورات الوطنية التي كانت تظهر من حين إلى آخر تأثير كبير. ولم تندلع أولى الثورات الكبرى بهدف تشكيل منتديات سياسية بديلة إلا في فترة ما بين الحربين العالميتين، عندما تأسس الحزب الحر الدستوري، المعروف باسم حزب الدّستور تيمناً بدستور تونس عام 1861. وعندما طالب حزب الدستور عام 1920 بتشكيل حكومة دستورية تمنح للشعب التونسي الحقوق ذاتها، اعتقل الفرنسيون عبد العزيز الثعالبي زعيم الحزب. من خلال استخدام تدابير تقييدية مماثلة وإدخال بعض الإصلاحات الظاهرية بهدف استرضاء المعارضة، تمكن الفرنسيون من السيطرة الفعالة على خصوم الحكومة لبعض الوقت.

عبد العزيز الثعالبي والحبيب بورقيبة

حزب الدستور الجديد

الحبيب بورقيبة عام 1947

ترك المحامي حبيب بورقيبة حزب الدستور عام 1934، وأسّس مع بعض زملائه حزب الدستور الجديد الذي كان أكثر عدائية تجاه الفرنسيين. وسرعان ما حلّ حزب الدستور الجديد مكان الحزب القديم ونجح في استقطاب دعم جماهيري في تونس. وبعدما أدركت فرنسا خطورة هذا الحزب، قامت باعتماد أساليب قمع عنيفة، فاعتقلت زعماءه، مما زاد من نشاط الحزب.

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ازدادت المطالب المنادية باستقلال تونس، واضطرت فرنسا في النهاية إلى الإذعان نتيجة ضغوط القوى العالمية. ومع اقتراب الاستقلال، برزت خلافات ضمن حزب الدستور الجديد بين صالح بن يوسف، زعيم قومي وأمين عام الحزب، والحبيب بورقيبة زعيم الحزب، والذي كان يدعو إلى اعتماد نمط حياة غربي. دعم الأوروبيون بورقيبة، وأصبح أول رئيس جمهورية بعد الاستقلال عام 1957. وتم إرسال منافسه بن يوسف إلى المنفى، حيث اغتيل عام 1961.