الصفحة الرئيسية / سوريا / من الماضي الى الحاضر / الصراع في سوريا

الصراع في سوريا

بيوت مدمرة في حمص عام 2012 (Photo HH)

لم تكن سوريا في مأمن من موجة المطالبة بالديمقراطية التي اجتاحت العالم العربي منذ نهاية عام 2010. اعتباراً من كانون الثاني/يناير عام 2011، انطلقت مظاهرات احتجاجية كبيرة في جميع أنحاء سوريا، بما في ذلك المناطق الكردية، واكتسبت زخماً في منتصف آذار/مارس؛ وواجهت قمعاً وحشياً من قبل السلطات. انطلقت الشرارة الأولى للحركة السورية المطالبة بالديمقراطية – والتي أطلق عليها المحتجون اسم “الثورة السورية” – في مدينة درعا الجنوبية بالقرب من الحدود الأردنية؛ اندلعت الاضطرابات عقب اعتقال وتعذيب 15 من المراهقين الشباب بسبب كتابة عبارات مناهضة للنظام على الجدران. وسرعان ما انتشرت الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد، مع أنه، وحتى 18 أيار/مايو، لم تخرج مظاهرات رئيسية في الأحياء المركزية لأكبر مدينتين (دمشق وحلب). في البداية، طالب المتظاهرون بالإصلاحات السياسية فقط. وفي مواجهة ردة فعل النظام العنيفة، تطورت تلك المطالب إلى الإصرار على سقوط النظام. ونتيجة لتعنت الحكومة، بدأت المعارضة بحمل السلاح على نحو متزايد، وذلك للدفاع عن أنفسهم ومهاجمة القوات الموالية للحكومة. وبحلول نهاية عام 2011، أصبح النظام يواجه حركة تمرد مسلح كبيرة فضلاً عن استمرار المظاهرات السلمية.

كما أثارت وحشية قوات الأمن ردة فعل مسلحة من قبل مجموعات غير رسمية، بالإضافة إلى الجيش السوري الحر. وسرعان ما وجهوا ضربات قاسية لقوى الأمن. وفي مقابلة تلفزيونية في تشرين الثاني/نوفمبر، ذكر الرئيس الأسد مقتل 800 شخص من جانب الحكومة. وبدوره شن النظام هجوماً كبيراً على مدينة حماه. وانشترت مئات الجثث في الشوارع وغصّت مستشفيات حماه بالجرحى. وفي شهر أيار/مايو 2011، تم اكتشاف مقابر جماعية قرب درعا، تحتوي على جثث أشخاص قتلوا على أيدي قوات الأمن. وفي الوقت ذاته، طالبت الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا الأسد بالتنحي، وقامت بتأييد تشكيل حكومة سورية في المنفى.

دفع العنف في سوريا بمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة إلى تأسيس لجنة تحقيق مستقلة في أيلول/سبتمبر 2011 للتحقيق في الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان منذ بداية الثورة. وحصلت اللجنة على أدلة عن عمليات إعدام واعتقالات عشوائية واختفاء قسري وتعذيب واعتداءات جنسية وانتهاكات لحقوق الأطفال من قبل الجيش وقوات الأمن السورية. (انظر على سبيل المثال تقارير الجلسة الطارئة رقم 18، والتي عقدت في 2 كانون الأول/ديسمبر 2011، وتقرير مجموعة الأزمات الدولية، مسارات غير مطروقة، تشرين الثاني/نوفمبر 2011). استمر العنف بينما كان الهلال الأحمر يحاول جاهداَ الوصول إلى المناطق الساخنة، وبالكاد تمكن من إجلاء الجرحى.

سعى نظام الرئيس السوري بشار الأسد إلى استرضاء الشعب بالإعلان عن إصلاحات محدودة وتدابير أخرى. تم رفع رواتب موظفي القطاع العام؛ وتخفيض مدة الخدمة العسكرية من 21 شهراً إلى 18؛ واستبدال بعض المحافظين المحليين؛ وإطلاق سراح عدد من السجناء السياسيين، مع أن عدد السجناء الجدد تجاوز عدد المعتقلين الذين تم الإفراج عنهم. وفي 29 آذار/مارس عام 2011، استقالت حكومة رئيس الوزراء ناجي العطري، وتم تشكيل حكومة جديدة برئاسة وزير الزراعة السابق والإصلاحي عادل سفر. وفي 7 نيسان/أبريل عام 2011، أصدر الرئيس مرسوماً بمنح الجنسية للأكراد عديمي الجنسية في سوريا. وتم إلغاء حالة الطوارئ لعام 1963 في 21 نيسان/أبريل عام 2011. وفي 30 نيسان/أبريل عام 2011، أعلن رئيس الوزراء عن عزم الحكومة تنفيذ إصلاحات سياسية وأمنية واجتماعية شاملة، رغم عدم تحديد أية تدابير محددة.

بحلول منتصف أيار/مايو عام 2012، لقي حوالي 15,000 سوري مصرعه في الثورة، وفق المعارضة، وأصيب الآلاف بجروح. واعتقلت قوات الأمن عشرات الآلاف، وكان تعذيب المعتقلين شائعاً، وفرّ حوالي 55,000 إلى الدول المجاورة. ادّعت السلطات بشدة، دون أية أدلة، أن الثورة كانت مؤامرة خارجية تهدف إلى زعزعة استقرار البلاد. في شباط/فبراير 2013، أعلنت المفوض السامي لحقوق الإنسان، نافي بيلاي، أن عدد القتلى في سوريا يقترب من 70,000.

قام لبنان والأردن بزيادة قدرتيهما لاستقبال أكثر من 170,000 لاجئ سوري، وفق منظمة UNHCR في آب/أغسطس 2012. بحلول شهر شباط/فبراير 2013، صرحت منظمة UNHCR إن العدد الإجمالي للاجئين المسجلين والأشخاص الذين ينتظرون التسجيل بلغ 953,310.

الحوار الوطني

كانت هذه الإجراءات لتجميل صورة النظام بشكل أساسي، وذلك لأن تقديم تنازلات حقيقية للحركة المطالبة بالديمقراطية تعني نهاية النظام، كونه من غير المرجح أن يفوز حزب البعث وبشار الأسد وعائلته في انتخابات حرة ونزيهة. أطلق النظام “الحوار الوطني” في مؤتمر مع “معارضين” في دمشق في 10-11 تموز/يوليو عام 2011، إلا أن معظم المعارضين أصحاب النوايا الحسنة اعتبروه مجرد خدعة يظهر فيها النظام كإصلاحي بينما لا يتخذ أية خطوات موضوعية للتخلي عن السلطة. نددت الحركة المطالبة بالديمقراطية بالحوار وقاطعته.

2012

في 21 آذار/مارس أقر مجلس الأمن الدولي خطة سلام غير ملزمة صاغها مبعوث الأمم المتحدة كوفي عنان. عبّرت خطة السلام ذات الست نقاط عن “بالغ قلقها إزاء تدهور الوضع في سوريا” وحثت السلطات السورية على “التزام وقف القتال وتحقيق عاجل لوقف فعّال للعنف المسلح بكافة أشكاله من قبل جميع الأطراف بإشراف الأمم المتحدة لحماية المدنيين وتحقيق الاستقرار في البلاد”، ابتداءً من 10 نيسان/أبريل. وافقت الصين وروسيا على دعم الخطة التي لم ترقَ إلى قرار رسمي. في 21 نيسان/أبريل، تأسست بعثة مراقبة الأمم المتحدة في سورية (UNSMIS) بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2043، وذلك لمدة 90 يوماً في البداية، لمراقبة وقف العنف المسلح بكافة أشكاله من قبل جميع الأطراف ورصد ودعم التنفيذ الكامل لخطة البعثة المشتركة ذات الست نقاط لإنهاء الصراع في سوريا.

لكن في الشهر التالي، حدثت مجزرة الحولة (قرب حمص) التي قتل فيها 108 شخصاً، بينهم 49 طفلاً و 34 امرأة. وخلص تقرير الأمم المتحدة الذي صدر في وقت لاحق، والذي جاء فيه أنه من المرجح أن القوات السورية وميليشيات الشبيحة كانوا المسؤولين عن المجزرة، إلى أنه: “بناء على الأدلة المتوفرة، تعتقد اللجنة بشكل معقول أن مرتكبي القتل المتعمد للمدنيين، من عائلتي عبد الرزاق والسيد، كانوا من الموالين للحكومة. في الوصول إلى هذه النتيجة، اعتمدت اللجنة على تقديرها للوصول إلى مواقع الجريمة وولاء الضحايا والخطة الأمنية في المنطقة، بما في ذلك وضع الحاجز المائي الحكومي والشهادات الثابتة للضحايا والشهود ومعرفة مباشرة للأحداث. وعزز هذا الاستنتاج نقص المعلومات الموثوقة التي تدعم وجود احتمالات أخرى”. وفي تقرير صادر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، تركت الأحداث المأساوية في سهل الحولة العشرات ما بين قتيل وجريح ودفعت الآلاف إلى الفرار من المنطقة.

رداً على ذلك، قال جهاد مقدسي، المتحدث باسم وزارة الخارجية والمغتربين السورية، في مؤتمر صحفي عقده يوم 27 أيار/مايو “ننفي تماماً مسؤوليتنا عن هذه المجزرة الإرهابية ضد شعبنا”. كما كرر الادعاء بأن الحكومة السورية كانت هدفاً لـ “تسونامي من الأكاذيب. […] تم قتل نساء وأطفال وشيوخ، […]هذه ليست السمة المميزة للجيش السوري البطل”. ولكن مجلس الأمن الدولي أدان بشدة استخدام الحكومة للأسلحة الثقيلة، إضافة إلى مجزرة الحولة. احتجاجاً على المجزرة، طردت أستراليا وبلغاريا وكندا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا وسويسرا والولايات المتحدة دبلوماسيين سوريين كبار. في 31 أيار/مايو، أعلن الجيش السوري الحر عن مهلة 48 ساعة للرئيس بشار الأسد للالتزام بخطة السلام الدولية ووضع حد للعنف. “تنتهي المهلة يوم الجمعة الساعة 12.00 (09.00 بتوقيت جرينتش)، وبعدها نتحرر من أي التزام وسندافع عن النشطاء ونحمي قراهم ومدنهم”. ونتيجة استمرار أعمال العنف، بدأ الجيش السوري الحر بشن هجمات في كل البلاد ضد القوات الحكومية، مما أدى إلى انهيار كامل لوقف إطلاق النار.

في 2 حزيران/يونيو 2012، ألقى الرئيس الأسد كلمة في البرلمان المنتخب جديداً، قائلاً إن الاضطرابات في البلاد أسفرت عن خسائر فادحة وأن الحكومة تواجه “حرباً حقيقية”، مشيراً إلى أن الصراع سيكون طويل الأمد ويتطلب تهميش جميع الأولويات الأخرى. وبعد بضعة أيام، عيّن الأسد رياض فريد حجاب رئيساً جديداً للوزراء. وكعضو في حزب البعث الحاكم ووزير الزراعة سابقاً، قام حجاب بتشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت قبل شهر.

تصاعد العنف بين الحكومة السورية والجيش السوري الحر وأطراف أخرى، مما أثار الشعور بأن العنف في سوريا كان يتجه نحو حلقة مفرغة من الهجمات المتبادلة بين مختلف الأطراف المعنية.

ارتفع عدد القتلى أكثر، وحدثت مذابح في مدينة تلو الأخرى. فرّ المدنيون بالمئات من قراهم، مما أدى إلى تدفق كبير للاجئين في البلدان المجاورة. أكدت بعثة المراقبين الدوليين في سوريا أن مروحيات الجيش السوري أطلقت النار على بلدات قرب حمص، بما فيها الرستن. وفي حزيران/يونيو 2012، وللمرة الأولى، سجلت البعثة هجمات جوية في قمع المعارضة. وأعرب كوفي عنان عن “قلقه البالغ” حيال هذا الخبر، وقال متحدث باسم الأمم المتحدة إن “المدفعية وقذائف الهاون والمدافع الرشاشة والأسلحة الصغيرة” كانت تستخدم ضد مدينتي الرستن وتلبيسة. في 15 حزيران/يونيو قررت بعثة المراقبين الدوليين تعليق مهمتها نتيجة اشتداد العنف المسلح في جميع أنحاء البلاد.

في نهاية حزيران/يونيو، أسقطت سوريا مقاتلة F4 تركية دخلت أراضيها. وشددت تركيا، التي أصبحت واحدة من أشرس منتقدي الرئيس السوري عندما رد بعنف على الاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية المستوحاة من الاضطرابات الشعبية في أماكن أخرى من العالم العربي، أن ردها على هذا الهجوم سيكون في الوقت المناسب. واجتمع حلف شمال الأطلسي بناء على طلب تركيا لإجراء مشاورات في إطار المادة 4 من معاهدة واشنطن التي تنص على “تشاور الأطراف في حال حدوث تهديد السلامة الإقليمية لأحد الأطراف أو استقلاله السياسي أو أمنه”. وعلى الرغم من إسقاط الطائرة التركية ودعوة بعض قادة المعارضة للتدخل العسكري الغربي في سوريا، راجعت الولايات المتحدة وحلفاؤها حساباتها. رفضوا التدخل العسكري فيما تحول إلى صراع طويل الأمد، مفضلة الطريق الدبلوماسي. وقام حلفاء سوريا، روسيا والصين، بحمايتها من عقوبات الأمم المتحدة وعارضتا بشدة أي تدخل عسكري فيها.

في 30 حزيران/يونيو 2012، دعا المبعوث الخاص للأمم المتحدة كوفي عنان إلى مؤتمر يضم بعض القوى العالمية في جنيف، سويسرا، لتمهيد الطريق لتشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية في سوريا تشمل أعضاء من الحكومة والمعارضة، وتشرف على صياغة دستور جديد وإجراء انتخابات. بينما رفضت المعارضة السورية في الخارج الخطة، رحبت بها الحكومة السورية. ورغم إصرار روسيا والصين على عدم إملاء دول أخرى على سوريا كيفية الانتقال، إلا أنهما وافقتا على اتفاق نهائي لا يدعو صراحة إلى تخلي الأسد عن السلطة. ونتيجة لذلك، استضافت جامعة الدول العربية مؤتمراً للمعارضة السورية للمرة الأولى في القاهرة في 2 تموز/يوليو 2012. ودعا الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي المعارضة السورية إلى توحيد الصفوف، وقال إن خطة الأمم المتحدة لتشكيل حكومة انتقالية في سوريا لم تبلغ غايتها.

في 15 تموز/يوليو 2012، ومع تصاعد العنف أكثر، أطلقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على الصراع السوري تسمية “الحرب الأهلية”. في 18 تموز/يوليو 2012، قتل الجيش السوري الحر ثلاثة من كبار قادة الأجهزة الأمنية في انفجار في دمشق واستولى على حلب في الشمال. وفشل هجوم حكومي في استعادة المدينة، حيث تكبدت القوات الحكومية المزيد من الخسائر.

كان شهر تموز/يوليو 2012 واحداً من أكثر الشهور دموية حتى الآن في الثورة ضد نظام الأسد والتي بدأت سلمية في آذار/مارس 2011. شن الثوار واحدة من أشرس المعارك في حلب، إحدى أكبر المدن السورية، والتي كانت معقلاً رئيسياً لدعم الرئيس بشار الأسد على مدى 17 شهراً من عمر الثورة. استمر القتال في ضواحي العاصمة دمشق، واتهم النظام السوري قوى إقليمية مثل المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا بمحاولة تدمير البلاد وتعهد بوضع حد سريع لهذه الحرب ضد بلاده. استولى الثوار على مساحات واسعة من حلب وأطلقوا قذائف الدبابات والمدفعية باتجاه أحياء من المدينة. وفر المدنيون وارتفع عدد اللاجئين والمشردين داخلياً. تقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن “آلاف المدنيين، وخاصة في محافظتي دمشق وحلب، يكافحون من أجل سلامتهم. وعلى الرغم من مواجهة التحديات المتزايدة في تموز/يوليو 2012، قامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر العربي السوري بتقديم المساعدة لأكثر من 125,000 شخص من المتضررين من العنف في عدة مناطق من سوريا”.

في 3 آب/أغسطس، مررت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 11266 ينتقد فشل مجلس الأمن بشأن سوريا. ينص القرار على أن الجمعية العامة “تشعر بقلق بالغ من تصاعد العنف في سوريا”، وأنها “اليوم تدين بشدة استخدام دمشق العشوائي للأسلحة الثقيلة في المناطق المدنية وانتهاكاتها الواسعة لحقوق الإنسان، وتطالب جميع الأطراف بالتزام ’فوري وصريح‘ لإنهاء الصراع الذي أسماه الامين العام للأمم المتحدة بان كي مون ’اختباراً لكل ما تمثله هذه المنظمة‘”. وطالبت الجمعية العامة بتنحي الرئيس الأسد. وذكر أن الانشقاقات تتسارع في أعلى المستويات. وشدد كوفي عنان بشكل صارخ على الفوضى الدولية إزاء الأزمة في قرار استقالته كمبعوث دولي إلى سوريا. وفي بيان استقالته، قال كوفي عنان: “في الوقت الذي نحتاج فيه إلى العمل – حيث الشعب السوري بحاجة ماسة إلى العمل – يستمر تبادل الاتهامات والشتائم في مجلس الأمن”.

في 6 آب/أغسطس 2012، انشق رياض حجاب رئيس وزراء سوريا وفرّ إلى الأردن مع عائلته، فأصبح الشرخ في نظام الرئيس الأسد أكبر. وفي غضون ذلك، ارتفع تدفق اللاجئين بشكل هائل إلى الدول المجاورة: الأردن وتركيا ولبنان.

في 17 آب/أغسطس، عينت الأمم المتحدة الدبلوماسي الجزائري المخضرم الأخضر الإبراهيمي مبعوثاً جديداً للأمم المتحدة والجامعة العربية إلى سوريا ليحل مكان كوفي عنان بعد انتهاء ولايته في 31 آب/أغسطس 2012.

في 20 تموز/يوليو، مدد مجلس الأمن بعثة المراقبين الدوليين مدة 30 يوماً، وصرح بإمكانية تمديدها أكثر فقط “في حال أكدت تقارير الأمين العام ومجلس الأمن على وقف استخدام الأسلحة الثقيلة وانخفاض مستوى العنف من قبل جميع الأطراف” للسماح للمراقبين بالقيام بمهمتهم. وعندما لم تتحقق تلك الشروط، انتهت مهمة بعثة المراقبين الدوليين في منتصف ليل 19 آب/أغسطس.

أنهكت أعمال العنف سوريا، وبلغ عدد الضحايا أكثر من 17,000، معظمهم من المدنيين، والذين لاقوا حتفهم منذ بدء الثورة ضد الرئيس بشار الأسد قبل حوالي 17 شهراً. ووردت تقارير عن تصاعد العنف في العديد من المدن والقرى، فضلاً عن أكبر المدن السورية: دمشق وحلب. في أيلول/سبتمبر، أعلن الجيش الحر مسؤوليته عن تفجيرين في الأركان العسكرية في دمشق. ووفق مصادر حكومية، أدى “الهجومان الانتحاريان” إلى مقتل أربعة حراس. وارتفعت حدة التوتر بين سوريا وتركيا أكثر عندما أطلقت سوريا قذائف هاون على بلدة حدودية تركية قتلت خمسة مدنيين أتراك. أعرب حلف شمال الاطلسي عن قلقه البالغ إزاء التطورات على الحدود الجنوبية الشرقية، وصرح في 3 تشرين الأول/أكتوبر 2012 أنه “انطلاقا من روح عدم تجزئة الأمن والتضامن المستمدة من معاهدة واشنطن، يواصل الحلف الوقوف إلى جانب تركيا ويطالب بالوقف الفوري لمثل هذه الأعمال العدوانية ضد دولة حليفة، كما يحث النظام السوري علي وضع حد للانتهاكات الصارخة للقانون الدولي”. وردت تركيا على مصادر النيران، واعترضت طائرة سورية من المحتمل أنها كانت تحمل أسلحة من روسيا. وكلا البلدين حظرا مرور طائرات الدولة الأخرى في مجاله الجوي.

انهار وقف إطلاق النار الذي كان بوساطة من الأمم المتحدة خلال عطلة عيد الأضحى بسبب استمرار هجمات الحكومة.

كان شهر تشرين الأول/أكتوبر مثل أي شهر آخر في الثورة السورية التي كانت تنزلق إلى حرب أهلية. نفذ الجيش السوري ضربات جوية على المحافظات الشمالية حيث أحرز مقاتلو المعارضة بعض التقدم. بحث سكان إدلب وحلب تحت الأنقاض عن ناجين. وأظهرت لقطات الفيديو القادمة من هذه المدن المباني التي تعرضت للقصف وناجين يسحبون جثثاً من تحت الأنقاض. أدانت جماعات حقوق الإنسان الثوار السوريين لقتلهم مجموعة من الجنود الأسرى، وأشارت إلى أن الجيش السوري الحر قد يكون ارتكب إحدى جرائم الحرب. ويقدّر نشطاء في سوريا أن أكثر من 36,000 شخص لقي مصرعه في الصراع الدائر حتى ذلك الوقت. في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، قدّر الهلال الأحمر العربي السوري عدد المشردين داخل سوريا بـ 2,5 مليون شخص. وفق الأمم المتحدة، التي أطلقت على الرقم الأخير لفظة ‘متحفّظ’، فرّ أكثر من 408,000 من السوريين إلى البلدان المجاورة، ويفر أكثر منهم كل يوم. كان اللاجئون الفلسطينيون في سوريا يواجهون ظروفاً قاسية؛ وهذا هو نزوحهم الثاني، لكن بعض دول الجوار منعتهم من دخول أراضيها.

لم يبقَ الصراع داخل حدود سوريا، حيث امتد إلى الدول المجاورة. قتل جندي أردني في اشتباكات مع مسلحين حاولوا عبور الحدود إلى سوريا، ووقعت اشتباكات طائفية في لبنان أودت بحياة شخصين. كما قصفت الدبابات الإسرائيلية بطارية مدفعية سورية بعد سقوط قذيفة هاون طائشة في الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل، مما أثار مخاوف من أن تشعل أطول وأعنف ثورة في الربيع العربي حرباً إقليمية.

فشل المجلس الوطني السوري في أن يصبح قوة معارضة سياسية فعالة قادرة على الاستجابة للأحداث المتسارعة في سوريا. وعجز المجلس عن تشكيل ائتلاف هيكلي موحّد يعكس تطلعات الشعب السوري بالشكل الصحيح، وخاصة بعد عسكرة الصراع، الأمر الذي أدى إلى نشوء صدع بين قيادة المجلس الوطني السوري والتطورات داخل سوريا.

أعيقت وحدة المعارضة من قبل نفس الدول التي كانت قد دعت المعارضة السورية إلى توحيد صفوفها. قامت هذه القوى الأجنبية باتصالات مباشرة ودعم عسكري لمجموعات الثوار على أرض الواقع، والتي قوضت ومنعت عملياً تشكيل أي نوع من القيادة السياسية الهرمية التي يمكنها الإشراف على عمليات قوى المعارضة.

انتقدت الإدارة الأمريكية بشكل صريح المجلس الوطني السوري الذي احتكر تمثيل المعارضة السورية، مما أعاق الوصول إلى اتفاق. وبالتالي، “طالبت” واشنطن بتشكيل “ائتلاف سوري أوسع” من شأنه جمع القوى الممثلة داخل المجلس إضافة إلى جماعات المعارضة الأخرى.

نتيجة جهود واشنطن وحلفائها الأوروبيين (بريطانيا وفرنسا) والإقليميين (قطر، تركيا) الرئيسيين، وفي 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، توحدت العديد من قوى المعارضة السورية الرئيسية في الدوحة (قطر) تحت اسم “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية” – الذي عادة ما يشار إليه باسم “الائتلاف الوطني السوري”. وتم انتخاب معاذ الخطيب، إمام سابق في المسجد الأموي في دمشق، والذي يعتبر معتدلاً، رئيساً له. يشكل المجلس الذي يتألف من 63 عضواً الهيئة السياسية للتحالف. ويضم أعضاء من أكثر كتل المعارضة السورية، مثل: المجلس الوطني السوري الذي يهيمن عليه الإخوان المسلمون والممثل بقوة في الائتلاف (أحد النواب الثلاثة للرئيس، 22 من أصل 63 من أعضاء الائتلاف)؛ وعدد من رجال السياسة المنشقين عن نظام الأسد. وبالإضافة إلى ذلك، يضم التحالف أعضاء من الحركات الثورية والمجالس المحلية، وهيئات جديدة لم تتحدد معالمها بعد. وأعلن الجيش السوري الحر عن تأييده للائتلاف.

لكن تم استبعاد بعض اللاعبين من التحالف، مثل لجنة التنسيق الوطنية، وهي كتلة من 13 حزباً سياسياً يسارياً؛ و “نشطاء سياسيين مستقلين”؛ إضافة إلى جماعات إسلامية سلفية، مثل جبهة النصرة [لأهل الشام] وأحرار الإسلام ولواء التوحيد وجند الشام.

بعد فترة قصيرة من تشكيل الائتلاف الوطني السوري، قررت واشنطن وضع جبهة النصرة على قائمة المنظمات الإرهابية. تسبب هذا بغضب في أجزاء من البلاد حيث حازت جبهة النصرة بشعبية، خاصة في القرى والبلدات حيث يشعر كثير من الناس بالقلق حيال النوايا السياسية الغربية.
الهدف الرئيسي للائتلاف الوطني السوري هو استبدال نظام الأسد. تأسس الائتلاف بتوافق مع مبادئ وأهداف الثورة السورية ومطالب النشطاء، وهي:

“الإطاحة بالنظام (بما في ذلك رموزه وأركان دعمه)؛ وتفكيك الأجهزة الأمنية؛ وتوحيد ودعم المجالس العسكرية للجيش السوري الحر؛ ورفض الحوار أو التفاوض مع النظام المجرم؛ ومحاسبة المسؤولين عن قتل السوريين وتدمير البلد وتشريد الشعب السوري”.

في 12 كانون الأول/ديسمبر 2012، اعترفت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وتركيا والاتحاد الأوروبي ودول الخليج بالمجلس الوطني السوري على أنه “الممثل الشرعي للشعب السوري“. وقال الرئيس ا لأمريكي باراك أوباما إن الائتلاف الوطني أصبح شاملاً وممثلاً بشكل كاف لهذه “الخطوة الكبيرة”؛ إلا أن الدعم الدولي اشترط بناء إدارة سياسية ومدنية. في نهاية كانون الأول/ديسمبر 2012، كانت المفوضية الأوروبية قد ساهمت بحوالي 210 مليون دولار كمساعدات إنسانية للمتضررين من الحرب الأهلية في سوريا. كما مدد الاتحاد الأوروبي حظر بيع الأسلحة لجميع الأطراف مدة ثلاثة أشهر أخرى لغاية 1 آذار/مارس 2013، وقرر في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر عام 2012 إعادة النظر في عقوبات على سوريا كل ثلاثة أشهر بدلاً من كل عام في حال قرر تسليح الثوار في المستقبل.

حتى الآن لم ينتج عن الائتلاف الوطني السوري أية نتائج وظيفية، باستثناء بيانات ولجان، كونه يعاني من انقسامات وتشرذم حول تشكيل الحكومة المقبلة والائتلاف الحالي بالذات.

استمر القتال بين القوات السورية والثوار، وأصابت الطائرات الحربية السورية مبنى للأمن استولى عليه الثوار على الحدود التركية، مما أسفر عن إصابة عدة أشخاص وفرار العشرات من المدنيين عبر الحدود. في 4 كانون الأول/ديسمبر 2012، وافق حلف شمال الأطلسي على طلب تركيا بنشر أنظمة باتريوت المضادة للصواريخ لتعزيز دفاعها ضد ضربات من سوريا. كما قرر حلف شمال الأطلسي زيادة القدرات الدفاعية الجوية لتركيا للدفاع عن السكان والأراضي التركية والمساهمة في تخفيف الأزمة على طول حدودها. التزمت ألمانيا وهولندا والولايات المتحدة بتزويد بطاريات صواريخ باتريوت تخضع لسيطرتها. وستكون هذه الأنظمة تحت أمرة القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا (SACEUR). وأي نشر لها سيكون لأغراض الدفاع فقط. ولن تدعم بأي حال من الأحوال إقامة منطقة حظر جوي أو أية عملية هجومية.

2013

في 6 كانون الثاني/يناير 2013 ظهر الأسد في خطاب مدته ساعة واحدة على شاشة التلفزيون، متجاهلاً المطالب الدولية بتنحيه، وداعياً السوريين إلى الدفاع عن بلادهم ضد المتطرفين الإسلاميين، والدول الأجنبية إلى إنهاء دعمها للثوار الذين يسعون إلى تدمير الوطن. ورفض إمكانية إقامة أي حوار مع ‘المجرمين’ الذين كانوا وراء الثورة.

استهدفت الطائرات الإسرائيلية مركزاً للأبحاث العسكرية إلى الشمال الغربي من دمشق. ونفت سوريا التقارير الواردة حول ضرب شاحنات تحمل أسلحة متجهة إلى لبنان. ولم تعلق إسرائيل على الحدث، ولكنها أعربت مراراً عن قلقها بشأن احتمال انتقال أسلحة كيماوية إلى حزب الله في لبنان.

قال تقرير صادر في 5 شباط/فبراير عام 2013، عن لجنة التحقيق بشأن سوريا التابعة لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، إن “عمق المأساة السورية ينعكس بشكل مؤثر في عدد الضحايا. يصف الناجون تجاربهم المروعة مع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. لم تؤثر الديناميكيات المدمرة للحرب الأهلية فقط على السكان المدنيين، وإنما مزقت أيضاً النسيج الاجتماعي المعقد للبلاد، مما يهدد الأجيال القادمة ويقوض السلام والأمن في المنطقة بأسرها”. حث الفريق المستقل مجلس الأمن الدولي إلى التحرك العاجل لوقف الانتهاكات وضمان المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة، كون كل من أطراف الصراع يرتكبون جرائم حرب.

بعد أسبوع، اقترح زعيم الائتلاف الوطني السوري معاذ الخطيب إجراء محادثات مع فاروق الشرع، نائب الرئيس السوري بشار الأسد، بشأن انتقال سياسي يعطى الأسد ممراً آمناً للذهاب إلى المنفى. وعزز الأخضر الإبراهيمي، المبعوث المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، هذه الدعوة في القاهرة يوم 18 شباط/فبراير عام 2013، قائلاً إن إجراء محادثات بين المعارضة السورية و “وفد مقبول” من الحكومة السورية، لم يشارك بشكل مباشر في أعمال القمع، يمكن أن تبدأ في مقر الأمم المتحدة، وينبغي أن تؤدي إلى حل سياسي لـ 23 شهراً من الحرب في البلاد.

مزيد من القراءة