الصفحة الرئيسية / الأديان في الشرق الأوسط / الإسلام الشيعي: من البدايات الأولى الى العصر الحديث

الإسلام الشيعي: من البدايات الأولى الى العصر الحديث

specials-Iraqi Shiites
شيعة عراقيون يصلون داخل ضريح الإمام عباس في مدينة كربلاء المقدسة، العراق، 11 أكتوبر 2016. Photo MOHAMMED SAWAF / AFP

في اليوم العاشر من الشهر الأول من كل عام هجري جديد، تتكرر نفس مشاهد الحداد، والحزن، وجلد الذات (التطبير) من قِبل المسلمين الشيعة في جميع أنحاء العالم: رجال يضربون أنفسهم بسلاسل؛ وآخرون يصفعون صدورهم العارية بإيقاع قوي متناغم؛ وأجسادٌ تنزف؛ ونساءٌ ينتحبن؛ وجموعٌ تنشد.

عاشوراء، اليوم العاشر من شهر محرم الهجري، يحتفل به عموماً جميع المسلمين، الذين يؤمنون أنه اليوم الذي صام فيه موسى شكراً لله لإنقاذ إسرائيل من فرعون. ولكن يحمل عاشوراء للشيعة، الذين يشكلون ما نسبته 10-15% من المسلمين في جميع أنحاء العالم، أهمية خاصة. فقد شهد هذا اليوم استشهاد حفيد النبي محمد، الحسين بن علي، قبل أكثر من 1300 عام بينما كان في طريقه لقيادة تمردٍ ضد يزيد بن معاوية الخليفة الثاني في الخلافة الأموية. فقد كان يزيد تولى السلطة للتو، مما أفزع شخصيات إسلامية بارزة أخرى، وفي خضم حربٍ أهلية أطلق عليها العلماء المسلمون اسم الفتنة الثانية.

قُتل الحسين في معركة كربلاء الشهيرة. وتقع مدينة كربلاء اليوم في العراق، ويعتقد الشيعة أن الحسين دفن هناك، حيث يزور الحجاج الشيعة ضريحة كل عام.

من هم الشيعة؟

Specials-Ashura
رجال شيعة عراقيون يضربون أنفسهم بسكاكين كبيرة في يوم عاشوراء، كربلاء، العراق، 12 أكتوبر الأول 2016. Photo HAIDAR HAMDANI / AFP

في حين يُعتقد، على نطاقٍ واسع، أن الفتنة الثانية أدت إلى بلورة الانشقاق السني الشيعي، إلا أن الشيعة ظهرت بدايةً بعد وفاة النبي محمد عام 632. فقد كانوا يريدون أن يخلف علي بن أبي طالب، ابن عم النبي وصهره، النبي كأول خليفة مسلم بدلاً من أبو بكر، الذي كان أقرب صحابة النبي ووالد زوجته.

وبالفعل أصبح أبو بكر أول الخلفاء المسلمين وعليّ رابعهم. حكم علي الأمة الإسلامية لخمس سنوات قبل أن يتم اغتياله في حربٍ أهلية أصبحت تُعرف بالفتنة الأولى. وبالتالي، برز الشيعة في خضم الفتنتين الأولى والثانية كمؤيدين لعلي وذريته، بمن فيهم ابنه الحسين، الذي يشكل استشهاده محور معتقدات وطقوس الشيعة. وبالنسبة لغالبية الشيعة، كان ينبغي لعلي وذريته (من تربطهم صلة دم بالنبي) خلافة النبي كخلفاء وأئمة (زعماء دينيين معصومين). وهكذا أيضاً حصلت الطائفة الشيعية على اسمها، حيث أن أصل كلمة “الشيعة” هو “شيعة علي،” أي “أتباع علي،” أو “أنصار علي.”

واليوم، ينقسم الشيعة إلى طوائف عديدة، أكبرها الشيعة الأثنا عشرية. ويشكل الشيعة غالبية السكان في إيران والعراق والبحرين وأذربيجان؛ بينما يشكلون أقليات كبيرة في لبنان واليمن وسوريا وتركيا والكويت والسعودية وباكستان والهند ونيجيريا وتنزانيا. ووفقاً لمركز بيو للأبحاث، يعيش ما بين 68-80% من سكان العالم الشيعة في أربعة بلدان هي إيران وباكستان والهند والعراق، حيث الشيعة الإثني عشرية هي الدين الرسمي في إيران.

الطوائف الشيعية

الشيعة الإثنا عشرية

الشيعة الإثنا عشرية هي الأكبر والأكثر هيمنة. تنتشر الشيعة الإثنا عشرية في إيران والعراق والبحرين، كما يتبع الشيعة في لبنان، حيث يشكلون أكثر من ربع سكان البلاد، هذه الطائفة.

يؤمن الشيعة الإثنا عشرية أن هناك 12 إماماً، جميعهم من نسل دم النبي محمد. ويعتبرون الأئمة الإثني عشر، الواحد تلو الآخر، الزعماء الدينيين والسياسيين الشرعيين الوحيدين الذين خلفوا النبي محمد.

أول الأئمة الاثني عشر هو علي بن أبي طالب نفسه، يليه ابنه الحسن إماماً ثانيا، ثم ابنه الآخر الحسين كإمامٍ ثالث. ويعتبر ابن الحسين، علي زين العابدين، الإمام الرابع. والخامس هو محمد الباقر، يليه جعفر الصادق، ثم موسى الكاظم كإمامٍ سابع، وهكذا إلى الإمام الثاني عشر.

وتشكل حقيقة ما إذا وجد الإئمة الـ12 حقاً جدلاً كبيراً. ويقول البعض أن الإمام الـ11، الحسن العسكري، لم ينجب ابناً في المقام الأول لخلافته، ولكن يُصر الشيعة الإثنا عشرية بوجود ابن له، إلا أنه يختبىء في مكانٍ سري، أو (الغيبة)، ولا يزال على قيد الحياة. اسمه محمد بن الحسن، المعروف أيضاً بالمهدي المنتظر. ويعتقد الشيعة الإثنا عشرية أن المهدي سيعود في آخر الزمان لـ”ينشر العدل على وجه الأرض.”

الإمامية

بالنسبة للشيعة الإثنا عشرية، كان الأئمة الـ12 معصومون، ويُنظر إليهم باعتبارهم يحتلون المرتبة الثانية بعد النبي محمد. وخلافاً للنبي، لم ينزل الوحي من الله على الأئمة، إلا أنهم، مع ذلك، يتمتعون بقدرة فريدة “لتقديم توجيه إلاهي على شكل شرحٍ وتوضيحٍ لتعاليم محمد.”

تعتبر هذه السلطة “امتداداً لسلطة محمد النبوية.”

التقية

مفهوم أساسي آخر لدى الشيعة الإثنا عشرية هو التقية (الإخفاء)، حيث يسمح للشيعة بإخفاء دينهم الحقيقي و/أو وجهات نظرهم السياسية “في أوقات الخطر أو الضرورة السياسية.”

تم تطوير المفهوم في الأيام الأولى للشيعة عندما تعرض الأئمة وأتباعهم للاضطهاد في ظل السلالة الأموية والعباسية. وفي إطار التقية يُفسر الشيعة الإثنا عشرية احتجاب المهدي.

كما تمكن التقية الشيعة من مواجهة الصعاب والاضطهاد بينما ينتظرون ظهور المهدي أخيراً.

ولاية الفقيه

بصرف النظر عن التقية والطبيعة الهادئة التي تدل على الشيعة الإثنا عشرية، شهد العالم تمرد الشيعة الإثنا عشرية ضد النظام عام 1979، في الثورة الإيرانية التي قادها روح الله الخميني، الذي أعاد إحياء المفهوم القديم لولاية الفقيه، وطوره ليشكل أساساً دينياً للثورة.

فقد بات من الضروري على العلماء، بسبب غياب المهدي، تقديم التوجيه للشيعة العاديين من خلال الاجتهاد إلى حين عودة ظهور المهدي.

هناك خلافاتٌ بين العلماء الشيعة حول نظرية ولاية الفقيه. حتى أولئك الذين يؤيدونها يختلفون حول حجم سلطة الفقيه، وحول ما إذا كان ينبغي أن تكون سلطة محدودة أم مطلقة. إن الوصاية المطلقة للفقيه، بما يتماشى مع نظرية الخميني، تعني أن الفقيه، الذي يرأس التسلسل الهرمي للمجتهدين (العلماء الذين يتبنون الاجتهاد)، ليسوا مفوضين بتوجيه الناس في الأمور الدينية فحسب، بل أيضاً بحكمهم على المستوى السياسي أيضاً.

الإسماعيلية- السبعية

تاريخياً، ظهرت الإسماعيلية في القرن الثامن، التي انشقت عن الشيعة الإثنا عشرية بعد وفاة الإمام السادس، جعفر الصادق. فهم يعتقدون أن ابن جعفر الأكبر، اسماعيل، وذريته أتموا النسب الإمامي الشرعي، على أساس أن جعفر عيّن اسماعيل الإمام الخليفة له. توفي اسماعيل قبل جعفر، وانتقلت الإمامية في الواقع إلى موسى القاسم، الذي يعترف به الشيعة الإثنا عشرية باعتباره الإمام السابع. وقد انقسمت الإسماعلية، ثاني أكبر طائفة شيعية بعد الإثني عشرية، إلى عدة فروع على مر التاريخ.

وفي الوقت الحالي، يُعتقد أن الإسماعيليين النزاريين، وإمامهم هو آغا خان الرابع، هم أكبر طائفة من طوائف الإسماعيلية مع الملايين من الأتباع في الهند وباكستان، فضلاً عن أجزاء من إيران وسوريا وأفريقيا. ويؤمن الإسماعليون النزاريون أن نسب آغا خان الرابع يعود إلى اسماعيل بن جعفر، مما يجعله أيضاً سليل علي بن أبي طالب، ابن عم النبي محمد وصهره. وهناك فرع أصغر من الإسماعلية هم البهرة، الذين ينقسمون إلى بهرة داودية وبهرة سليمانية.

الزيدية

يشكل الشيعة الزيدية ما بين 25-40% من سكان اليمن. انفصل الزيديون عن الشيعة الإثنا عشرية بسبب خلافٍ على هوية الإمام الخامس. يعتبر الشيعة الإثنا عشرية محمد الباقر الإمام الخامس، في حين يعتقد الزيديون أن الإمامية انتقلت إلى أخ الباقر غير الشقيق، زيد (كلاهما أبناء الإمام الرابع)، ذلك أن زيد كان ناشطاً سياسياً وقاد تمرداً ضد الخلافة الأموية عندما نأى الباقر بنفسه عن الساحة السياسية. ويعتبر هذا التمييز أمر محوري في تصور الزيديين للإمام باعتباره “بطل.” ووفقاً لغالبية الزيديين، فإن أي ذكرٍ بالغ من نسل علي بن أبي طالب مؤهل ليكون إماماً، إذا ما كان يمتلك معرفةً دينية كافية وقادر وعلى استعداد لمكافحة الفساد والاستبداد.

وعلى عكس الشيعة الإثنا عشرية، لا يؤمن الشيعة الزيدية بعصمة الأئمة، كما يرفضون أيضاً مفهوم “غيبة الإمام” الذي سيعود في نهاية الزمان.

غير أن الشيعة الزيدية، مثلهم مثل السنة، “يؤمنون أن الدين يوحى للرجل مرة واحدة وإلى الأبد.” وهذا يختلف عن فكرة الإثني عشرية أن الإمام يوحى إليه من الله ومأذونا له توجيه الأشخاص العاديين وتقديم تفسيرٍ لأحكام الله.

وغالباً ما يوصف الشيعة الزيدية بأنهم أقرب إلى الإسلام السني من الشيعة الإثنا عشرية. يحمل الفقه الزيدي أوجه تشابهٍ مع الفقه الشافعي السني، السائد أيضاً بين أفراد المجتمع السني اليمني. وعلاوة على ذلك، فإن معظم الزيديين أقل تطرفاً في استنكارهم للخلفاء المسلمين الأول والثاني، أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب. كما تطور مذهب الشيعة الزيدية مع مرور الوقت، وهناك انقسامات واختلافات بين الزيديين.

الطوائف الشيعية الأخرى

بالإضافة إلى الشيعة الإثنا عشرية، والإسماعيلية، والزيدية باعتبارهم أكبر الطوائف الشيعية، هناك أيضاً العلويين، الذين يشكلون أقلية كبيرة في سوريا، وينتمي إليهم الرئيس السوري، بشار الأسد.

ومن الجماعات الشيعية الأخرى أيضاً، العلاهيون، الذين يعدون أكبر أقلية دينية في تركيا. ويُعتقد أن جذور طائفة العلاهيين مستقاة من الشيعة، ومذهب البكتاشية الصوفي، وحتى المسيحية.

وتمتاز كل من العقيدة العلوية والعلاهية بطابعها السري، وهذا يعني أن القليل معروفٌ فحسب للغرباء حول تعاليمهم وممارساتهم.

كيف ينظر السنة إلى الشيعة

تماماً مثلما ينقسم الشيعة إلى فروع وطوائف أصغر، فالسنة ليسوا بأي حالٍ من الأحول متفقين في وجهات نظرهم ومواقفهم، بما في ذلك وجهة نظرهم تجاه الشيعة.

فقد قال مفتي عام المملكة العربية السعودية، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ (سني) في عام 2016 أن القادة الإيرانيين، الذين يتبعون مذهب الشيعة الإثنا عشرية، “ليسوا مسلمين.” فالموقف السعودي تجاه الشيعة يحمل جوانب سياسية، فكل من المملكة العربية السعودية وإيران ذات الأغلبية الشيعية على خلافٍ حول السياسية الإقليمية.

وتتبنى مصر، وهي دولة أخرى بأغلبية سنية، رسمياً موقفاً مختلفاً تجاه الشيعة. ومؤخراً، دعا الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر، أعلى سلطة دينية سنية في البلاد، إلى إجراء حوارٍ بين السنة والشيعة، كما صلى إلى جانب زعماء شيعة أثناء زيارته إلى إندونيسيا. إلا أن النقاد المؤيدين للشيعة اتهموا الإمام بعدم اتخاذ موقفٍ متسامحٍ مستمر تجاه الشيعة، مشيرين إلى تصريحاتٍ سابقة مثل انتقاده لـ”مذابح” ارتكبتها ميليشيات شيعية في العراق خلال الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش.”