الصفحة الرئيسية / لبنان / من الماضي الى الحاضر / من التاريخ القديم إلى الانتداب الفرنسي

من التاريخ القديم إلى الانتداب الفرنسي

المحتويات

الحكم الهلنستي
الإمبراطورية الرومانية
الفتح العربي
الحملات الصليبية (1095-1302)
عهد المماليك (1250-1517)
الإمبراطورية العثمانية (1516-1914)
الانتداب الفرنسي

تمثل المنطقة الساحلية للبنان الحالي جزءً هاماً من أرض كنعان القديمة، والتي كانت تمتد من أوغاريت (رأس شمرا الحالية) الواقعة في شمال سوريا، على طول الساحل ووادي نهر أورونتي، وصولاً إلى عكا التي تقع الآن شمال إسرائيل. كانت المدن الواقعة على الساحل اللبناني الحالي، مثل طرابلس وجبيل وبيروت وصيدا وصور، مدناً فينيقية شهيرة، وكانت كل منها تنعم بالاستقلال. وكان الفينيقيون تجاراً وبحارة.

من غير الواضح ما هو أصل الفينيقيين، ولكنهم استقروا في هذه المنطقة منذ آلاف السنين ما قبل الميلاد.

كان الفينيقيون بحارة بارعين للغاية، في البداية صيادي سمك، ومن ثم تجاراً بالتدريج، يبحرون أكثر و أكثر ليبيعوا منتجاتهم وبضائعهم. وكانوا يبيعون الزيتون والفواكه والأخشاب من الجبال، وإنما أيضاً النحاس والزنك أو القصدير، بالإضافة إلى الأقمشة المصبوغة (واشتهر منها الأرجوان)، والمشغولات اليدوية مثل الأواني الزجاجية والحلي. لم يكن الفينيقيون أول من عرف الزجاج، إلا أنهم كانوا أول من جعله شفافاً. وقد شيد الفينيقيون البيوت الحجرية في جبيل منذ ما يقرب من 7000 عام قبل الميلاد. كما قاموا بتطوير الكتابة الهيروغليفية إلى الأبجدية البدائية، والتي طورها الإغريق لاحقاً إلى أبجدية متكاملة. وكان لكل مدينة فينيقية ولكل جبل إلههه الخاص، ولكن الإله الأعظم لدى الكنعانيين كان “إيل” (لاحظ التشابه بين تلك اللفظة ولفظة “الله”)، “خالق الأرض والبشر”.

رحلات الفينيقيين

أبحرت الأساطيل الفينيقية إلى شمال أفريقيا، حيث أنشأوا مستعمرات، والتي غالباً ما كانت عبارة عن مصانع تجارية. وكانت أكثر مستعمراتهم أهمية مستعمرة قرطاج (أي المدينة الجديدة)، التي تقع حالياً بالقرب من العاصمة التونسية “تونس”، وتعني كلمة “قرطاج” بالفينيقية “المدينة الجديدة”. حتى أنهم استكشفوا المحيطين الهندي والأطلسي والسواحل الإفريقية، بدءً من البحر الأحمر، مبحرين جنوباً حول رأس الرجاء الصالح، رجوعاً إلى قرطاج على طول الساحل الإفريقي. وفي مناسبات أخرى، بلغ الفينيقيون شواطئ أوروبا الغربية وأبحروا حتى نورماندي .

استقلالية الفينيقيين

شكلت فينيقيا جزءً من الإمبراطورية الآشورية والبابلية والفارسية، على التوالي، حتى عام 333-332 قبل الميلاد. ولكن مدنها احتفظت باستقلاليتها، ولكل مدينة ملكها الخاص. وقد سمح الفرس للفينيقيين بشكل خاص بتصريف شؤونهم بأنفسهم دون فرض ثقافتهم الفارسية عليهم. وكان لكل مدينة فينيقية جيشها الخاص بها – رغم أنها كانت تساند بعضها إن اقتضى الأمر. ولكن حتى قواتهم المشتركة لم تستطع الوقوف في وجه الإسكندر الأكبر المقدوني. وأكثر من قاوم كانت مدينة صور – التي كانت مبنية على البر الرئيسي وجزيرة، فكانت آخر مدينة فينيقية تسقط في بلاد المشرق، وذلك عام 332 قبل الميلاد، بعد حصار دام سبعة أشهر. وبعد ذلك، كانت قرطاج المدينة الفينيقية الوحيدة التي لم تسقط في أيدي الإغريق. وظلت على استقلاليتها حتى عام 146 قبل الميلاد حين استولى عليها الرومان.

لبنان الفينيقيون
الفينيقيون في لبنان

لبنان الاسكندر المقدوني
امبراطورية الاسكندر المقدوني


الحكم الهلنستي

لبنان الاسكندر المقدوني
تقسيم امبراطورية الاسكندر المقدوني بعد وفاته

كان استيلاء الإسكندر الكبير على المدن الفينيقية في القرن الرابع قبل الميلاد يعني أن بلاد الشام صارت تحت الحكم الهلنستي. ثم تابع الإسكندر احتلال مصر والإمبراطورية الفارسية، ولكنه مات بعد عقد من فتوحاته. وبعد وفاته (323 قبل الميلاد) قُسِّمت إمبراطوريته الواسعة بين قواده الثلاثة. فكانت بلاد اليونان من نصيب أنتيغونوس، ومصر من نصيب بطليموس، وأخذ سلوقس الجزء الشرقي من الإمبراطورية، من آسيا الصغرى وحتى الحدود الشرقية، أي الحدود الحالية بين إيران وأفغانستان إلى حد ما. بنى سلوقس مدينة أنطاكية واتخذها عاصمة للإمبراطورية السلوقية. وأصبحت لبنان جزءً من الإمبراطورية السلوقية مدة ثلاثة قرون بعد أن كانت تابعة لإمبراطورية البطالمة نحو ثمانين عاماً.

في لبنان ازدهرت الفلسفة تحت تأثير الإغريق. يعد ديودوروس الصوري، عضو المدرسة الجدلية، فيلسوفاً شهيراً. وتميز الإغريق بتسامحهم مع أصحاب الديانات الأخرى، وكانت الآلهة الكثيرة التي تعبد في مختلف الديانات تعد بمثابة آلهة مماثلة للآلهة الإغريقية، ولكن مع اختلاف الأسماء. وكانت كلمة “بعل” ترادف كلمة “الرب” في اللغة الآرامية السريانية التي كانت محكية في المنطقة. وقد اعتبر “إيل” بمثابة الإله رع في مصر والإله زيوس عند الإغريق وجوبيتر عند الرومان. وكان الإغريق ينظرون إلى ملكارت، بعل أو إله مدينة صور، على أنه تجسد هيراقليس.

الإمبراطورية الرومانية

Photo Fanackاضغط للتكبير آثار رومانية في بعلبك في وادي البقاع
Photo Fanackاضغط للتكبير آثار رومانية في بعلبك في وادي البقاع

عام 64 قبل الميلاد حل الرومان محل الإغريق في لبنان والبلاد المحيطة به، والذين بقيوا فيه حتى عام 636 للميلاد. وبعد احتلالهم قرطاج، قاموا بتوسيع إمبراطوريتهم نحو السواحل الجنوبية للبحر المتوسط، والتي أصبحت في نهاية المطاف مجرد “بحيرة رومانية” على حد تعبير المؤرخ اللبناني الراحل بطرس ديب. في كثير من النواحي، لم تكن الحضارة الرومانية سوى امتداد للثقافة الإغريقية. ولكن فيما يتعلق بالسياسة والقانون والإدارة، فإن التحول من إمبراطورية لأخرى يستلزم وقفة. ففي حين أصر الإغريق على تحقيق الديمقراطية المحلية واستقلالية المدن، سعى الرومان إلى تنصيب حكومة مركزية في روما. وعلاوة على ذلك، كان بعض الأباطرة الرومانيين يميلون إلى الحكم الديكتاتوري. بل أنهم مالوا إلى تأليه الذات – الأمر الذي رفضه المسيحيون بشدة، والذين تضاعف عددهم على نحو ملحوظ اعتباراً من القرن الأول للميلاد، بل فاقوا اليهود والوثنيين عدداً. ومع ذلك، كانت سلطة الأباطرة محدودة، رغم أن بعضهم قد حاول تجاوز تلك الحدود.

القانون الروماني

كان التغيير الآخر بالنسبة للشعوب المحتلة حديثاً إدخال القانون الروماني، والذي كان مدوناً باللغة اللاتينية، اللغة التي لم يكن يجيدها السواد الأعظم من الناس. في الجزء الشرقي من الإمبراطورية الرومانية كانت اللغة اليونانية لغة المثقفين، أما لغة عامة الشعب – على الأقل حول جبل لبنان – فكانت اللغة الآرامية السريانية. وفي حين كانت العادات المحلية والقانون التقليدي محترمة أساساً في ظل حكم الفرس ومن ثم الإغريق، أصبح قانون البلاد رومانياً، والمؤسسات تُفرض من قبل روما. واستبدل الملوك الذين كانوا يحكمون المدن الواقعة على طول الساحل اللبناني منذ العصر الفينيقي بحكام – يتم اختيارهم على الأغلب من نفس العائلة – كما تم “تصنيف” المواطنين وفق نظام طبقي. وفي القرون التي تلت، ذابت الفوارق بين الطبقات الاجتماعية. وفي القرن الثالث الميلادي، منح الإمبراطور كاراكالا (211-217) سكان كل الأقاليم المختلفة الجنسية الرومانية، بما في ذلك الأقاليم والمستعمرات النائية.

تناوبت فترات من الرخاء والسلام مع فترات من الفوضى والحروب (الأهلية). وتعرضت المناطق الجنوبية الشرقية من الإمبراطورية الرومانية بانتظام لهجمات من قبل الفرثيين والساسانيين (الفرس) وعصابات المحاربين الجرمانيين والقوطيين والفاندال في الشمال والشمال الشرقي. بالإضافة إلى تلك الهجمات، ضعفت الإمبراطورية الرومانية أحياناً بسبب الصراعات الداخلية على السلطة.

الدين

فمنذ القرن الأول الميلادي فصاعداً، انتشرت الديانة المسيحية على طول سواحل البحر الأبيض المتوسط وما وراءها. وكانت لبنان وسوريا من بين البلدان الأولى التي اعتنقت المسيحية. في بادئ الأمر، تجاهلت الإمبراطورية الرومانية المسيحيين أو تسامحت معهم، ثم اضطهدتهم، وفي نهاية المطاف اعترفت بهم. وقد بلغ الاضطهاد شدته إبان حكم دقلديانوس (284-305). إلا أن خليفته قسطنطين (305-337)، اعتنق المسيحية. وكان ذلك بداية عصر جديد أكثر استقراراً.

الامبراطوران قسطنطين ويوستنيانوس

في عهد سلفه، كانت الإمبراطورية الرومانية منقسمة إلى إمبراطورية غربية وأخرى شرقية. فقام قسطنطين، زعيم الإمبراطورية الشرقية التي كانت أشد قوة وأرغد اقتصاداً، بنقل العاصمة شرقاً إلى بيزنطيا (القسطنطينية) التي أتاحت له أن يكون أقرب إلى أعدائه الساسانيين (الفرس). وهكذا وضع قسطنطين لبنة الأساس لما سيعرف فيما بعد بالإمبراطورية البيزنطية، والتي وحّدها يوستنيانوس الأول (527-565). فقد أعاد توحيد الإمبراطوريتين بشكل مؤقت وأخضع القوطيين والفاندال في الأقاليم التي احتلوها، والتي تشمل إيطاليا وأسبانيا وشمال أفريقيا. وعلى الحدود الشرقية، شن حرباً ضد الفرس، انتصر فيها في نهاية المطاف، فقط بعد حملة طويلة ومكلفة ليجبرهم على الانسحاب من (شمال) سوريا.

كما قام يوستنيانوس الأول، الذي حارب الفساد في كل الهيئات الحكومية، بتدوين القوانين الرومانية وفلسفة التشريع. وقد شجع كثيراً على دراسة القانون (وكان في بيروت مدرسة قانون شهيرة)، ومن بين تراثه الرئيسي كتاب “مجموعة القوانين المدنية (أو قانون يوستنيانوس)” الذي نشر عام 529، ويتضمن كل القوانين

كما قام يوستنيانوس الأول، الذي حارب الفساد في كل الهيئات الحكومية، بتدوين القوانين الرومانية وفلسفة التشريع. وقد شجع كثيراً على دراسة القانون (وكان في بيروت مدرسة قانون شهيرة)، ومن بين تراثه الرئيسي كتاب “مجموعة القوانين المدنية (أو قانون يوستنيانوس)” الذي نشر عام 529، ويتضمن كل القوانين الصادرة في الإمبراطورية الرومانية منذ عهد الإمبراطور أدريانوس (117- 138). وتم جمع القوانين التي تلت في مجلد آخر بعنوان “مجموعة الأحكام الجديدة Novellae Constitutiones Post Codicem”. وتتضمن مجموعة أخرى، تدعى “مجموعة القوانين المدنية الرومانية Digesta ” (سنة 533)، فلسفة التشريع. الكثير من النصوص التي جمعت في هذا الكتاب كتبها الفقيه القانوني اللبناني أولبيان من مدينة صور، والذي عاش في القرن الثالث الميلادي. وفي عام 533 أيضاً ظهر دليل “مبادئ غايوس Institutes of Gaius” لطلاب الحقوق.

بقايا حمامات رومانية في بيروت
بقايا حمامات رومانية في بيروت
خارطة الإمبراطورية الرومانية حوالي عام 300 بعد الميلاد
خارطة الإمبراطورية الرومانية حوالي عام 300 بعد الميلاد
تمثال الإمبراطور قسطنطين
تمثال الإمبراطور قسطنطين
الإمبراطور يوستنيانوس على قطعة نقود
الإمبراطور يوستنيانوس على قطعة نقود

الفتح العربي

الفتح العربي

لبنان
الفتوحات العربية لبلاد الشام

في القرن السابع الميلادي، ظهر الفاتحون المسلمون في المنطقة، القادمون من شبه الجزيرة العربية. وقد كان العرب آنذاك يعيشون في سوريا منذ قرون – مع أن أصول العرب غير واضحة، إلا أن الإشارة الأولى لوجودهم هي كتابة مسمارية تذكر اسم شخص يدعى جندبو قادماً من أرض “العَرِبي” عام 854. وعام 570 شهدت مكة مولد محمد بن عبد الله، نبي الإسلام. وعام 613 بدأ يدعو إلى الإسلام، بعد أن أوحي إليه بذلك. وعام 622 أُمِرَ محمد وصحابته بالانتقال إلى يثرب (والتي سميت فيما بعد بمدينة النبي أو المدينة المنورة). أصبح هذا الانتقال، الهجرة، والعام 622 ميلادية الذي تمت فيه، بداية التقويم الإسلامي. كما كانت الهجرة نقطة الانطلاق لبناء الأمة التي شرع فيها محمد – بنجاح، واستغرقت عشر سنوات تقريباً. ومن المدينة، فتح محمد شبه الجزيرة العربية بأكملها، ووحد العرب تحت راية الإسلام. وتمتع اليهود والمسيحيون – أهل الكتاب – بحرية العبادة.

انتشار الإسلام

بعد وفاة النبي عام 632، تابع صحابته مهمته. ورغم وجود صراعات في شبه جزيرة العرب، كان الفتح الإسلامي للمناطق الواقعة شمالاً سريعاً إلى حد ما، وذلك لعدة أسباب. أولاً، ضعف الإمبراطورية البيزنطية جراء الحروب والصراعات الداخلية، وقد ضجرت شعوب آسيا الصغرى من حكامها. ثانياً، قام العرب بنشر قبائل حليفة – تمت بصلة لأولئك الذين استقروا في المنطقة – لغزو هذه الشعوب. ثالثاً، اعتبر مسيحيو لبنان وسوريا دين الوافدين الجدد كطائفة مسيحية على نحو خاص. وعلاوة على ذلك، كانت أول سلالة من الخلفاء التي حكمت البلاد – الأمويين الذين حكموا من مدينة دمشق القريبة (كان معاوية بن أبي سفيان الخليفة الأموي الأول) – مثالاً للتسامح الديني مع “أهل الكتاب”. وقد شجع ذلك الشعوب أن تمد يد العون إلى الحكام الجدد ضد حكامهم القدامى – الذين تمكنوا لبعض الوقت من استرداد أجزاء من الساحل اللبناني – وتحويل المدن الساحلية إلى قلاع.

الأمويون

لبنان الخلافة الاموية
دولة الخلافة الاموية

أصبح معاوية بن أبي سفيان، أول حاكم لدولة “سوريا الكبرى”، أول خليفة أموي بعد أن تراجع الحسن بن علي واخوه الحسين، من سلالة محمد، إلى المدينة.

استمرت الحروب على نحو متقطع، رغم المعاهدة بين معاوية والإمبراطور قسطنطين الرابع. واشتدت الحرب ضد البيزنطيين خاصة تحت حكم الخليفة الأموي الرابع مروان بن الحكم. وأثناء تلك الحروب، تردد الجراجمة، وهي قبيلة مسيحية في شمال سوريا، بين الانخراط في صفوف جيش الإمبراطور البيزنطي أو كجواسيس أو كشّافة للخليفة. وفي نهاية المطاف، مثل سلفه معاوية، عقد عبد الملك بن مروان معاهدة مع الإمبراطور البيزنطي يوستنيانوس الثاني، دافعاً جزية كبيرة. نتيجة لذلك، نزح بعض الجراجمة إلى اليونان وتركيا؛ في حين استقر آخرون في جبال لبنان، وانصهروا مع باقي سكانه.

يوما بعد يوم، كان سكان لبنان يتحولون إلى اللوحة الفسيفسائية الحالية. فقد استقر هناك على مر القرون أحفاد الفينيقيين والفرس والرومان والإغريق والأرمن والسوريين واليهود وغيرهم. ومنذ ذلك الحين، بدأت اللغة العربية تحل محل اللهجة السريانية للغة الآرامية.

التنوع الديني


كما يتسم لبنان بتنوعه الديني: يهود وطوائف مسيحية عديدة – تمثل الطائفة المارونية أغلبيتها إلى حد بعيد – ومسلمون. أول من تحول إلى الإسلام كانت المدن الساحلية، حيث استقر أيضاً اليونانيون والأرمن. واستقر أتباع علي – الشيعة – بصفة عامة في جنوب البلاد والجبال. أحد فروع المذهب الشيعي الذي انتشر في لبنان وسوريا، خاصة في القرنين التاسع والعاشر للميلاد، المذهب الإسماعيلي، الذي أتت به السلالة الفاطمية معها من مصر. وينحدر الدروز، الذين يشكلون جزء أساسياً من الفسيقساء اللبنانية، من فرع منشق عن المذهب الإسماعيلي، وترجع أصوله أيضاً إلى مصر.

الحملات الصليبية (1095-1302)


بدأت الحملة الصليبية الأولى عام 1095 عندما دعا البابا أوربانوس الثاني إلى حملة عسكرية إلى الإمبراطورية البيزنطية لمساعدتها على محاربة السلاجقة (الأتراك) المعتدين وللسيطرة على الأراضي المقدسة التي كانت تحت حكم الفاطميين في مصر. وكانت هذه بداية قرنين من الزمان تحارب خلالها المسيحيون والمسلمون في أغلب الأحيان – وفي بعض الأحيان أبناء الملة الواحدة – في كل المنطقة الممتدة بين الأناضول وفلسطين وفي مصر. ومع ذلك، كان هناك فترات عملت فيها تلك الأطراف المتناحرة معاً.

انطلقت شرارة الصراعات عندما نجح نورمان بوهيموند في الاستيلاء أخيراً على مدينة أنطاكيا، إحدى الكراسي البطريركية المسيحية، من السلاجقة. وكان الصليبيون قد وعدوا إمبراطور بيزنطة بإعادة الأقاليم التي احتلوها، ولكنهم لم يفوا بالوعد. وبعد الاستيلاء عليها بوقت قصير، استعاد جيش بقيادة كربغا، أمير الموصل، المدينة. وفي النهاية، تمكن الصليبيون من الاستيلاء على أنطاكيا مرة أخرى، ولكن صراعاً داخلياً اندلع. فبقي البعض في أنطاكية، وأكمل البعض الآخر زحفه للاستيلاء على فلسطين، الأراضي المقدسة.

اتجه جيش جودفري حاكم بولون إلى الجنوب. وفي بادئ الأمر، لم يبدو القلق على الفاطميين بشكل علني من مرور الصليبيين عبر أراضيهم، بل وفكروا في مساعدتهم ضد السلاجقة. لكن هذا الأمر تغير عندما اقترب الأوروبيون من فلسطين ومصر. في عام 1099، استولى جودفري حاكم بولون على القدس. ومع ذلك، ثبت أن الأراضي اللبنانية والسورية أكثر صعوبة للاستيلاء عليها – بل حتى السيطرة عليها. غيّرت مدن صور وصيدا وبيروت وطرابلس من حكامها مرات قليلة، ومع أنها كانت محصنة جيداً قبل الحملات الصليبية، إلا أنها صارت أكثر تحصيناً. وقرب نهاية القرن الثاني عشر، ادعى الحكام الأوروبيون – الفرنجة، كما كانوا يسمون، رغم أن ليسوا جميعاً من فرنسا، مملكة الفرنجة – أنهم سادة الجبال اللبنانية.

تغير التحالفات

إلا أن الوضع ظل معقداً. فقد بقي هناك أمراء مسلمون سادة الإقطاعيين في الجبال. ومن ناحية ثانية، تكيف القادمون الجدد مع المجتمعات الموجودة في لبنان بطرقٍ عدة. وكانت التحالفات تتغير، فتجد عدو الأمس يصير حليف اليوم، أو العكس. وبدت بعض الأقاليم – مثل تلك التابعة لعائلات بُحْتر سرحمور وتيردالان وعرمون، بالقرب من بيروت – وكأنها وقعت تحت نفوذ الأساقفة المسيحيين والقائد الأسطوري صلاح الدين الأيوبي، الذي قاتل الصليبيين باسم الجهاد، كما فعل سلفه الخليفة نور الدين. والقائد صلاح الدين الأيوبي الذي انتصر في عدة معارك حاسمة – مثل موقعة حطين عام 1187 والتي أدت إلى سقوط القدس وإنهاء احتلال الفرنجة للمنطقة – لم تكن شهرته ترجع إلى فطنته العسكرية فحسب، وإنما أيضاً إلى بسالته ومآثره الفروسية كمحارب. فسمعته في هذا الصدد مماثلة لتلك السمعة التي كان يحظى بها خصمه ريتشارد قلب الأسد، وقد أفاد من عاصر تلك الفترة أن كلا الرجلين كان يحترم الآخر، بل حتى معجب به.

لم يوحّد لا المسيحيون ولا المسلمون صفوفهم على الدوام. فعندما حاول الفرنجة الاستيلاء على المدن اللبنانية، كان يوقفهم الموارنة في بعض الأحيان. ولاحقاً، الموارنة أنفسهم أيدوا الصليبيين، لكنهم توقفوا عن ذلك في نهاية القرن الثالث عشر، مما أدى إلى نهاية عهد الصليبين. وفي وقت ما، كان الكونت الفرنسي رايموند الثالث أمير طرابلس حليف صلاح الدين ضد بالدوين ملك القدس – قبل أن يتغير الوضع. فمن بعدها هزم صلاح الدين رايموند. وداخل العالم الإسلامي نفسه كان هناك عداوة مستحكمة بين مصر الشيعية وبغداد السُّنية. في حين بقيت الإمارات الواقعة بين هاتين القوتين – خوفاً من السلاجقة الأتراك – منقسمة في ولائها. وأخيراً في عام 1292، المماليك، سلالة حكام مصرية –  مع أنهم من أصول تركية وسُّنية – هم الذين وجهوا الضربة القاضية للصليبيين. وفي ذلك الوقت، غزا المغول القسم الشرقي لدولة المماليك، ووصلوا إلى مشارف دمشق.

كلفت الحملات الصليبية (ثمان حملات في المجموع) الكثير من الأرواح، وجلبت معها الكثير من الدمار والأمراض والفوضى. ولكن بوجه عام، سُمح للسكان المحليين – عدا العبيد وأسرى الحرب – بالبقاء أوفياء لمعتقداتهم. كما احتفظوا بسلطاتهم المحلية ونظامهم القضائي. ومن جوانب عديدة كان هناك تأثير متبادل بين الحضارتين الشرقية والغربية. وقد ازدهرت التجارة، وخاصة في المناطق الساحلية. وكان التجار من مسلمين ومسيحيين ويهود ينعمون بحماية خاصة عند عبورهم الحدود، حتى ولو اضطروا إلى دخول أراضي “العدو”. فكانت القوافل تجوب المنطقة بأسرها، وكانت السفن تبحر من مصر إلى صور إلى القسطنطينية، بل وإلى ما هو أبعد من ذلك.

وبعد أن غادر آخر الصليبيين الساحل اللبناني، غادر العديد من التجار المسيحيين معهم واستقروا في قبرص. وبعد بضع سنوات، عادت سفنهم إلى الموانئ اللبنانية.

صورة من القرون الوسطى للصليبيين وهم يقاتلون جيشاً إسلامياً
صورة من القرون الوسطى للصليبيين وهم يقاتلون جيشاً إسلامياً

البابا أوربانوس يدعو لحرب صليبية ضد المسلمين عام 1095، في كليمونت فيراند، فرنسا
البابا أوربانوس يدعو لحرب صليبية ضد المسلمين عام 1095، في كليمونت فيراند، فرنسا

صلاح الدين
صلاح الدين

ريتشارد قلب الأسد
ريتشارد قلب الأسد

عهد المماليك (1250-1517)

الامبراطورية المملوكية 1250-1517 ميلادية

بعد مرور نصف قرن على وفاة صلاح الدين الأيوبي في عام 1193، انتهت السلالة الأيوبية التي كان ينتمي إليها، وتولى المماليك زمام السلطة في مصر. وفي ذلك الوقت، كان المحتلون الأوربيون لبلاد الشام قد خسروا معارك هامة، إلا أن شوكتهم لم تنكسر بعد. ويذكر بعض المؤرخين أن المغول هم الذين دقوا آخر مسمار في نعش الصليبيين. وبالفعل، حوالي عام 1250 اجتاح جنكيز خان وخلفاؤه من بعده كل دول وسط آسيا ومعظم دول غربي آسيا، بل وحتى بعض أجزاء أوروبا الشرقية. وفي الشرق الأوسط، توغل المغول حتى وصلوا إلى دمشق، ثم واصلوا باتجاه مصر. فتصدى لهم المماليك في شمال فلسطين، حيث يقال أن معركة عين جالوت الشهيرة (عام 1260) غيرت مجرى التاريخ. هزم المماليك المغول، وتوجهوا لفتح سوريا وجبل لبنان.

المماليك لبنان
احد المماليك بالزي الرسمي

نظراً لأن المماليك كانوا من السُّنة، فقد كانوا محترسين من المسيحيين – وبالأخص الموارنة – والشيعة الذين كانوا يسكنون تلك البقاع. ومع ذلك، كان للمماليك على علاقة طيبة مع مسيحيي مدينة البندقية الكاثوليك، وبالتالي سمحوا بالطوائف المسيحية في لبنان. أما الشيعة لم يعتبروا من أصحاب البدع فحسب، بل – وأسوأ من ذلك – كأصدقاء للمغول. ومن هذا المنطلق تجرّع الشيعة كأس الاضطهاد. وقُتل الكثيرون منهم، ومن نجا منهم لاذ بالجبال ليختبأ فيها.

الامبراطورية العثمانية – سنوات الحكم الذاتي (1516 – 1788)

لبنان الامبراطورية العثمانية
الامبراطورية العثمانية عام 1900

عام 1516 هزمت الإمبراطورية العثمانية المماليك، واستولت على زمام الأمور في المنطقة. وكانت هذه بداية ثلاثة قرون من الهدوء النسبي، حيث تمتع جبل لبنان وسوريا بقدر كبير من الحكم الذاتي. وكان لمجتمعهم بنية إقطاعية، وكان منظماً للغاية بطريقة كانت تجعل ذلك الشعب من المزارعين الجنود يعيش ويحارب لقرون عديدة. فكان الأمير يرأس مجموعة من الشيوخ، الذين بدورهم كان عندهم خدم، ولكل واحد منهم جيشه الخاص من المزارعين والذين يحملون السلاح إذا ما دعت الضرورة. وكان يمثل السلطة العثمانية الباشاوات في المدن الرئيسية، مثل حلب وطرابلس وصيدا وفيما بعد بيروت.

كانت المدن الساحلية ملكاً للتجار السُّنة والملكيين (الروم الكاثوليك)، بينما كان الدروز والشيعة والموارنة يعيشون في سلام نسبي في الجبال. حدث تمرد فردي ضد السلطان، وهجمات من البدو الرحل ضد سكان الجبال الذين كان عليهم الدفاع عن أنفسهم، وكانت هناك حزازات أسرية وعلى مستوى الأحياء، ومؤامرات وصراعات على السلطة – ولكن عموما، نعم جبل لبنان بالهدوء والازدهار حتى القرن التاسع عشر. فإذا كان هناك اشتباكات بين الطوائف، لم تكن على أساس ديني. أصبحت الجبال ملاذاً لمختلف الأقليات التي هربت من الاضطهاد، سواء كانت دينية أو غير ذلك. وكان على هذه الأقليات أن تتعايش معاً بطريقة أو بأخرى.

فخر الدين الثاني وبشير الثاني

بشير الثاني (يسار) وفخر الدين الثاني (يمين) على طابع
بشير الثاني (يسار) وفخر الدين الثاني (يمين) على طابع

برز في هذه الحقبة الزمنية أميران. الأول كان الأمير فخر الدين الثاني (1593- 1635)، وكان آخر أمراء عائلة معن وأشهرهم، والثاني الأمير بشير الثاني (1788-1840)، والذي كان من عائلة شهاب. وكان لكليهما لقب “الكبير” مضافاً إلى اسميهما.

عقد فخر الدين تحالفاً مع فرديناندو الأول دي ميديشي دوق توسكانا، وكان هذا التحالف، الذي استمر لقرون، مفيداً، في المقام الأول للمراكز التجارية – المدن الساحلية – وللجبال، حيث بنى مهندسو توسكانا المدرجات الشهيرة في الوقت الحالي، والتي جعلت الزراعة أكثر كفاءة بكثير.

الانتداب الفرنسي

الأمير فيصل في مؤتمر السلام في باريس عام 1919 (عن يمينه ت.و. لورانس)
الأمير فيصل في مؤتمر السلام في باريس عام 1919 (عن يمينه ت.و. لورانس)

خلطت الحرب العالمية الأولى الأوراق مجدداً. خسرت تركيا جميع أراضيها التي أصبحت الآن تحت سيطرة قوات التحالف الغربية، بريطانيا العظمى وفرنسا. وترددت الأخيرة كثيراً في إرسال قواتها إلى بلاد الشام، إذ كانت منشغلة بالجبهة الغربية في بلادها. ولكن القوات الفرنسية – والشمال أفريقية – حاربت في كل من لبنان وسوريا، واللتين كانتا تحت نفوذها ما لا يقل عن قرن من الزمان، والفضل في ذلك يعود على وجه الخصوص إلى جهود البعثات التبشيرية اليسوعية في كلا البلدين. حتى أن أواصر العلاقات بين فرنسا والموارنة اللبنانيين كانت تعود إلى سنوات سابقة.

في أعقاب هدنة 30 أكتوبر/تشرين الأول 1918، أُعْلِنتْ الأراضي التي كانت تحت الحكم العثماني سابقاً في بلاد الشام “أراضي عدو محتلة”. وفي أعقاب اتفاقية سايكس بيكو، والتي أبرمت حتى قبل أن تضع الحرب العالمية الأولى أوزارها، (والتي تحمل اسم مفاوضيْها: البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج بيكو)، احتلت فرنسا لبنان والمناطق الساحلية في كل من سوريا وكيليكيا، والساحل الجنوبي الشرقي للأناضول. أما بريطانيا العظمى فقد احتلت الجزء الداخلي من سوريا، إلى جانب العراق وفلسطين وشرق الأردن.

لكن قبل الاحتلال الفرنسي، كان كل من لبنان وسوريا تحت حكم الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير الحجاز، والذي هزمت قواته وقوات الكولونيل البريطاني توماس إدوارد لورانس (المعروف بـ “لورانس العرب”) القوات التركية في المنطقة. وهكذا رُفعت راية الأمير فيصل – الذي وعده الحلفاء بأن يصير ملكاً على سوريا الكبرى – لبضعة أيام فوق دمشق وفي بيروت. وما إن وطأت أقدام الجنرال إدموند اللينبي البريطاني والكولونيل الفرنسي فيليبين دي بايبيب أرض لبنان، حتى تم إنزال علم الأمير فيصل. وفي مؤتمر السلام الذي عقد في وقت لاحق في العاصمة الفرنسية باريس، لم يُسْمَحْ للأمير فيصل سوى بالحضور. وأعلنت فرنسا انتدابها على كامل الأراضي السورية واللبنانية، وقد اعْتُمِدَ هذا الانتداب بموجب المعاهدة التي وُقِّعَت عام 1920. أما بريطانيا فقد شمل انتدابها فلسطين وشرق الأردن وأراضي العراق حتى الحدود الإيرانية. وأعيدت كيليكيا إلى تركيا، ونتيجة لذلك فقد اضطر الآلاف من المسيحيين الأتراك والأرمن الذين كانوا قد نجوا من مذابح عامي 1915-1916، والذي لجأوا إلى كيليكيا، إلى الهرب إلى لبنان.

الأمير فيصل

نُصِّبَ فيصل مَلِكًا على العراق، في حين أصبح أخوه عبد الله في البداية أميراً على إمارة شرق الأردن، ومن ثم ملكاً على الأردن. ولا يزال أحفاد الملك عبد الله يتعاقبون على عرش الأردن إلى وقتنا هذا. اغتيل حفيد فيصل، فيصل الثاني، عام 1958 خلال الانقلاب الذي وضع الجيش العراق في السلطة.

كان نفوذ فيصل كبيراً، إذ أنه أحيى فكرة الدولة العربية – والتي أطلقها الأمير فخر الدين الثاني في جبل لبنان في القرن السابع عشر – لتوحيد المنطقة بأكملها. إلا أن أفكار الملك فيصل أثارت القلق في أوساط المسيحيين في كل من لبنان وسوريا، لأنهم رأوا أنه يفصل بشكل واضح بين السلطات الروحية والدنيوية. وكان هناك شكوك إذا ما كانت الدولة العربية التي كانت في فكر فيصل ستكون دولة عربية أو إسلامية. ومن جهة أخرى، أخلص العديد من مسيحيي بلاد الشام بالولاء لفكرة “القومية العربية”، والتي كانت قد بدأت تشق طريقها في أواخر القرن التاسع عشر، وقد لاقت حماساً على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم العربي خلال العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين.

الملك فيصل
الملك فيصل
ت.و. لورانس (العرب)
ت.و. لورانس (العرب)
الملك فيصل الثاني
الملك فيصل الثاني
الملك عبدالله عاهل الأردن
الملك عبدالله عاهل الأردن

في ظل الانتداب الفرنسي

لبنان طوائف
الاديان و الطوائف في العام 1932

في ظل الانتداب الفرنسي، أصبح لبنان، الذي كان حينها مقتصراً على المناطق الجبلية ووادي البقاع باستثناء السنوات الخمسين الماضية، يدعى “لبنان الكبير”، وتم ضم المنطقة الساحلية إليه. كان ذلك يعني تغيراً جذرياً في تركيبة السكان في لبنان، كون معظم سكان المدن الساحلية من المسلمين السنة والمسيحيين من الروم الأرثوذكس. وأصبح الدروز أقلية صغيرة جداً في لبنان، 6,8% فقط، وفق إحصائيات عام 1932. أما الموارنة، والذين كانوا لا يزالون يشكلون المجموعة الأكبر (28,8%) وغالبية المسيحيين إلى حد كبير (الروم الأرثوذكس 9,7%، الروم الكاثوليك 5,9%، والطوائف المسيحية الأخرى – معظمها من الأرمن – 6,8%)، لم يعودوا يهيمنون على الساحة الاجتماعية كما كانوا من قبل. ولكن ظل المسيحيون على اختلاف طوائفهم يمثلون أغلبية الشعب اللبناني: 51,2%. وكانت نسبة السنّة في ذلك الوقت 22,4% من سكان لبنان، والشيعة 20,3%. مع الدروز (6,8%)، كان المسلمون مجتمعين يشكلون 49,7% من عدد السكان الإجمالي.

كما عنت الحدود الجديدة أن البلاد كانت مستقلة رسمياً في علاقاتها مع دمشق. كان خطاب الانتداب الموجه إلى فرنسا من عصبة الأمم واضحاً: يجب أن يصبح لبنان في نهاية المطاف بلداً مستقلاً، وأن على فرنسا مساعدة اللبنانيين على تحقيق ذلك.

خلال السنوات التي تلت، بدأ اللبنانيون العمل على صياغة دستور لبلادهم، والذي اكتمل عام 1926. وقد نص هذا الدستور على أن رئيس الجمهورية لابد أن يكون مسيحياً مارونياً، في حين يكون رئيس مجلس النواب شيعياً ورئيس الوزراء سُنياً، بينما وزير الدفاع درزياً. كان ينبغي تقسيم المقاعد والدوائر البرلمانية بين أغلب الطوائف الدينية الثماني عشرة المعترف بها في لبنان. وضمن هذه القيود، كان يُنتخب أعضاء البرلمان على أساس برنامج سياسي، وكأعضاء في أحزاب أو تحالفات سياسية. وكان الطيف السياسي يتراوح من الحزب الشيوعي في اليسار إلى الكتائب في اليمين.

كانت مناقشة الأفكار السياسية تتم في الصحف. وكانت صناعة الصحافة مزدهرة. حتى في الأيام الأولى للانتداب الفرنسي، كانت حرية الصحافة اللبنانية من أكثر الحريات في العالم العربي، مع أنها لم تكن كاملة – لأن الجيش الفرنسي كان في السلطة حتى عام 1926. . كان يتم توزيع الصحف وقراءتها على نطاق واسع، ليس فقط في العاصمة بيروت، وإنما أيضاً في المدن الإقليمية، والتي غالباً ما كانت تُصدر صحفها المحلية.

الطريق إلى الاستقلال

حصل لبنان على استقلاله خطوة بخطوة. وقد تحقق نهائياً عام 1943، وذلك في خضم الحرب العالمية الثانية. وبمجرد أن اندلعت الحرب بين فرنسا وألمانيا، في أيلول/سبتمبر 1939، تم تعليق الدستور اللبناني وحل البرلمان. ولم يعد للرئيس اللبناني حينها “إميل إده” وحكومته أية سلطة. وفي أواخر عام 1940، قام المفوض الفرنسي السامي الجنرال هنري دانت، والذي كان يمثل حكومة فيشي المتعاونة في فرنسا، بتعيين ألفريد نقّاش “رئيساً للحكومة”، في حين تنازل الرئيس إده عن منصبه بعد ذلك بوقت قصير، وذلك حين تسبب نقص الغذاء، نتيجة الحصار الذي فرضته بريطانيا على لبنان، بموجة احتجاجات محرجة من جانب الشعب اللبناني.

في تموز/يوليو 1941، تم تحرير لبنان على يد القوات البريطانية وقوات “فرنسا الحرة” بقيادة الجنرال شارل ديغول، وغادر ممثلو حكومة فيشي إلى فرنسا. ورغم ما قطعته فرنسا وبريطانيا من وعود بالاستقلال حالما تدخل قواتهما لبنان وسوريا في يونيو/حزيران عام 1941، استغرق الأمر ستة أشهر لإيفاء فرنسا بوعدها والاعتراف بألفريد نقّاش رئيساً للبلاد. كما استغرق الأمر ما يقرب من عامين آخرين – إلى جانب انتصار قوات الحلفاء في المنطقة – قبل أن سمحت فرنسا بإجراء انتخابات حرة في البلاد ووضع دستور لحكومة مؤقتة، كخطوة تمهيدية. وفي ضوء تلك الانتخابات، اتخذ قرار بتوزيع المقاعد النيابية على مختلف الطوائف الدينية، وفقا لحصة كل منها من سكان البلاد، وذلك وفق إحصاء عام 1932. وعلاوة على ذلك، عقد كل من الرئيس بشارة الخوري (ماروني) ورئيس الوزراء رياض الصلح (سني) ميثاقاً وطنياً (غير مدوّن) يلتزم بموجبه كل من مسلمي لبنان ومسيحييها بالعيش معاً بسلام؛ وأن ينبذ مسلمو لبنان أي ارتباط محتمل بأية قومية عربية، وأن ينبذ المسيحيون حماية القوى الغربية، وعلى رأسها في ذلك الوقت فرنسا و بريطانيا العظمى. وقد أثبت هذا الميثاق الوطني أهميته في حصول لبنان على استقلاله، لأن القوى الغربية، وفرنسا على وجه الخصوص، كانت تخشى من ظهور قومية عربية في المنطقة وآثارها المحتملة، مثل الدعوة إلى إنشاء دولة سوريا الكبرى. ورغم ما وُجه إلى هذا الميثاق الوطني من انتقادات من أنه يحمل في طياته بذور صراعات قد تنشأ في وقت لاحق بين الطوائف الموجودة في البلاد، إلا أن اللبنانيين تمسكوا بذلك الميثاق، وظل يُعمل به حتى اتفاق الطائف عام 1989.

الرئيس الفرنسي ديغول يزور الطائفة الدرزية في سوريا في نهاية الحرب العالمية الثانية Photo HH
الرئيس الفرنسي ديغول يزور الطائفة الدرزية في سوريا في نهاية الحرب العالمية الثانية Photo HH
الجنرال شهاب يقدم العلم اللبناني للرئيس بشارة الخوري
الجنرال شهاب يقدم العلم اللبناني للرئيس بشارة الخوري