الصفحة الرئيسية / العراق / من الماضي الى الحاضر / الحشد الشعبي: من أين وإلى أين؟

الحشد الشعبي: من أين وإلى أين؟

أعضاء من الحشد الشعبي يهتفون قبل التوجه إلى معركة تحرير الموصل، الموصل، العراق، 31 أكتوبر 2016. Photo Carolyn Cole

حثت المرجعية الدينية في مدينة النجف، في 13 يونيو 2014، في خطبة الجمعة، جميع أطياف الشعب العراقي على الإنخراط في الدفاع عن العراق من جموع الإرهابيين. وشددت السُلطة الدينية على لسان الشيخ الكربلائي، خطيب الجمعة أن “مسؤولية التصدي لهم ومقاتلتهم مسؤولية الجميع ولا تختص بطائفة دون أخرى أو طرفٍ دون آخر.” ودعا في نفس الخطبة المواطنين إلى “التطوع للانخراط في القوات الأمنية،” وعُرفت هذه الدعوة بـ”الجهاد الكفائي،” مما حدا بآلاف المواطنين، فيما بعد، إلى التوجه للمراكز الأمنية للتطوع في الأجهزة الأمنية، جُلهم من الطائفة الشيعية، حيث قدّر خبير أمني أن نسبة المتطوعين السُنّة بلغت 2% فقط.

حدث ذلك رداً على سقوط الموصل، ومحافظة نينوى بالكامل، وعدة مدن بمحافظات صلاح الدين وديالي والأنبار وكركوك، بيد تنظيم الدولة الإسلامية السُني المتشدد “داعش،” في أعقاب انسحاب الجيش العراقي وقوات الشرطة الاتحادية من هذه المناطق. تلك هي سردية إنشاء الحشد الشعبي في العراق، ودستوره وتوجهات آية الله السيد السيستاني، المرجع الأعلى في النجف.

المؤسس والأب الروحي

قبل فتوة “الجهاد الكفائي،” من السيد السيستاني، وبعد سقوط الموصل بيوم، أعلن رئيس الوزراء العراقي آنذاك، نوري المالكي، خلال كلمته الأسبوعية عن تشكيل جيش رديف، وذكر أن “هناك محافظات شكلت ألوية جديدة وستدفعها إلى المعركة، تشكل في كل محافظة لواء كامل لمواجهة الخطر الذي يحيط بالعراق.” وفي إعلانٍ للجنة الوزارية التي كلفت بإدارة الأزمة، دعت اللجنة في بيانٍ صحفي بتاريخ 11 يونيو “بتشكيل أفواج من المتطوعين والحشد الشعبي لدعم الأجهزة الأمنية.”

تم الإعلان عن تشكيل “مديرية الحشد الشعبي،” بتاريخ 15 يونيو بأمر من رئيس الوزراء نوري المالكي، حسب مستشار الأمن الوطني العراقي، فلاح فياض، والتي تم بعدها تشكيل لجنة في كل محافظة يرأسها قائد الشرطة بهدف تنظيم عملية التطوع. ولاحقاً، تم تأسيس هيئة الحشد الشعبي ومن ضمنها مديرية الإدارة المركزية وفقاً للأمر الديواني رقم (47) بتاريخ 18 يونيو 2014، علماً أنّ هذا الأمر أثار حفيظة الشركاء السياسيين من التحالف الكردستاني واتحاد القوى عند الإعلان عن تنظيم عمليات التطوع هذه لبناء جيشٍ رديف لا تنتهي مهامه عند إنتفاء سبب إنشائه.

كما صرح نوري المالكي في مقابلةٍ مع صحيفة إيلاف الإلكترونية بقوله “أنا من أسس الحشد الشعبي،” في تعليقٍ أثار حفيظة الكثير من داخل العراق. وأكمل في نفس المقابلة على أن “فكرتي عن تأسيس الحشد الشعبي موجودة منذ 2012.” ومع تزايد الصدامات المسلحة في سوريا، أدى هذا التصريح إلى بعض اللغط في الشارع العراقي. ومع ذلك، يذكر الموقع الرسمي الالكتروني لهيئة الحشد الشعبي أنه “منذ الفتوى المباركة بتاريخ 14 يونيو 2014، صدر قرار مجلس الوزراء رقم (301) لسنة 2014 بتأسيس هيئة الحشد الشعبي.” ولكن ذلك لم يمنع من تأكيد هادي العمري، قائد منظمة بدر الشيعية وكتائب الحشد الشعبي أن من أسس الحشد الشعبي هو نوري المالكي بالفعل.

الحشد الشعبي، النسخة العراقية من قوات الباسيج شبه العسكرية الإيرانية

يضم الحشد الشعبي العشرات من الميليشيات الشيعية التي تشكلت بالأساس بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003. تشتمل هذه على فيلق بدر وعصائب أهل الحق وقوات “النجباء” وكتائب حزب الله، والبعض منها تشكل بعد سقوط الموصل بيد ما ]عرف بـ”تنظيم الدولة،” وفتحت هذه المليشيات أبوابها للمتطوعين بعد فتوة “الجهاد الكفائي” الصادرة عن المرجعية في النجف المقدس. وبالتالي ينقسم المقاتلون تحت مظلة الحشد الشعبي بين أفراد المليشيات المنتمين أصلاً والمتطوعين الذين انضموا للحشد بعد نداء المرجعية الدينية في النجف والأغلبية منهم يعتبرون مقلدين للسيد السيستاني.

ويمكن تقسيم التيارات داخل الحشد إلى ثلاثة تيارات رئيسية، وهي المليشيات التي تتبع ولاية الفقيه الإيراني (نظرية في الإسلام الشيعي الذي يرى أن الإسلام يعطي الوصاية الفقهية على الناس، والتي يستخدمها النظام الإيراني للسيطرة على إيران والشيعة في جميع أنحاء العالم) وتتقاطع مع إيران بأهدفها الإيديولوجية والجيوسياسية، والتي تمثل حوالي ثلثين قوات الحشد الشعبي، حيث خدمت بعض هذه المليشيات ولا تزال في سوريا. أما الآخر فهو تيار سرايا السلام التابع لمقتدى الصدر، والثالث الفصيل التابع للمرجعية الدينية في النجف. فبنظر السيد علي أغوان، فإن الأهداف والايديولوجيا تختلف بين تيار مقتدى الصدر وما أسماها بـ”أتباع ولاية الفقيه،” كما أضاف أن لدى السرايا انتماءات إسلامية عربية على عكس أتباع ولاية الفقيه المرتبطة كلياً بإيران. أما الاختلاف بين أنصار ولاية الفقيه في العراق وحشد العتبات الحسينية والعباسية يرتكز بالاساس على اختلاف المرجعية الدينية والتي تنقسم بين الولاء للخامنئي والسيد السيستاني، وعلى أثر ذلك تختلف الأهداف والرؤى، علماً بأن التيار المتحالف مع إيران هو المتحكم الرئيسي في المؤسسة التي تضم أطراف الحشد الشعبي من خلال هادي العامري وأبو مهدي المهندس بشكلٍ رئيسي. ومع ذلك، تتفق هذه المليشيات فيما بينها على الهدف الرئيسي المعلن وهو دحر التنظيم الراديكالي من العراق.

الحشد الشعبي الشيعي

لم يكن ضرورة تأسيس الحشد الشعبي في نظر رئيس الوزراء السابق هو فقط لمحاربة داعش واستعادة الأرض، وإنما لاستشعاره أن الحرب القادمة هي حرب طائفية بدأت ملامحها تتبين في سوريا في 2012. واتهم المالكي أيضاً القوى السنية والكردية في الجيش بعدم قتال داعش في 2014 وقت مهاجمة قواتها شمال العراق، وبنظر المالكي فإن الحشد الشعبي الشيعي “ضرورة” في حال إنهار الجيش العراقي، وذلك ما عبر عنه المالكي حين صرح أن فكرة تأسيس الحشد الشعبي تعود لعام 2012.

وعلى عكس نوري المالكي، تحاول المرجعية الدينية في النجف أن تنفي طائفية الحشد الشعبي وأن تقدم فتوة “الجهاد الكفائي” التي جعلت عشرات الآلاف من الشباب الشيعية – بالغالبية العظمى- يتوجهون إلى معسكرات التطوع، على أنها فتوة تخص كل المسلمين وهي عابرة للطوائف، ويظهر ذلك في نصوص الخطابات المتعلقة بالتطوع والجهاد ومعاملة أهالي المناطق المحررة.

إلا أن ذلك لم يمنع السياسيين السنة من اظهار الامتعاض من عدم مشاركة فاعلة للسنة في الحشد الشعبي، حيث قدم اتحاد القوى – يمثل القوى السنية في البرلمان العراقي– طلباً لرئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، في آواخر سنة 2015 لزيادة أعداد المقاتلين السنة المنضويين تحت الحشد الشعبي. كما خرجت بعض التصريحات من السياسيين السنة عن صعوبات تواجه مشاركة السنة في الحشد الشعبي، ومنها قلة تسليح السنة المشاركين في الحشد الشعبي. وفي محاولة لاظهار حسن النوايا وإبعاد شبهة أن الحشد الشعبي هو قوة شيعية، فقد وافق رئيس الوزراء على زيادة أعداد المقاتلين السنة، ولكن ذلك لم يطبق فعلياً على الأرض.

مستقبل الحشد الشعبي

لم يخلو النقاش الدائر عن مستقبل الحشد الشعبي من الدلالات على صعوبة المرحلة القادمة وكثرة السيناريوهات المحتملة لمستقبل العراق في ظل الجدل المحتدم في بغداد والعواصم العربية والعالمية. ففي الوقت الذي تم فيه اصدار قرار من رئاسة الوزراء في العراق في يوليو 2016 بهيكلة الحشد الشعبي وتحويله لجهاز موازٍ لجهاز مكافحة الإرهاب من حيث التدريب والتجهيز والقوانين، أي باعتباره أحد الاجهزة الامنية المستقلة عن المؤسسات العسكرية والامنية المختلفة وارتباطه المباشر برئاسة الوزراء، أكد نفس القرار على عدم السماح لمنتسبي هذا الجهاز بالعمل السياسي وفض ارتباط أفراده من كافة الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية.

حمل هذا القرار أبعاداً سياسية على المستويين الداخلي والإقليمي، فعلى المستوى الداخلي ترى الاحزاب التقليدية الشيعية أن الطموح السياسي للحشد الشعبي، وخاصة الموالية لإيران، سيعرقل حظوظها في الانتخابات النيابية القادمة عام 2018، وقد تؤثر في المستقبل السياسي العراقي الشيعي. وهذا ما لا تشاطرهم به الميليشيات المنضوية تحت الحشد الشعبي مثل قوات بدر التي هي جزء من العملية السياسية، حيث صرح الأسدي في سبتمبر 2016 على أن الحشد الشعبي مشروع استراتيجي، وأن الحشد مهم لمستقبل العراق. كما شدد على أن العمل العسكري للحشد لا يمنع الطموح في السياسة، فيما قد يُفهم تحدي من قادة الحشد لقرارات رئاسة الوزراء.

كما تم معارضة القرار من الكتل السنية والكردية، حيث ترى الكتل السنية الرئيسية أن الحشد يجب أن يكون نواة للحرس الوطني العراقي، وأن على الحكومة حل الحشد الشعبي، والذي يجب إنشاؤه من قوات تعتمد على ابناء كل محافظة لحمايتها في المستقبل واستتباب الامن فيها.
فيما يرى الجانب الكردي على ضرورة إنهاء حالة الحشد الشعبي بعد تحرير الأراضي العراقية من داعش، حيث أن القوات العسكرية والامنية التابعة للحكومة الاتحادية وقوات البيشمركة قادرة في المستقبل على فرض الامن وحماية الأراضي العراقية.

أما على المستوى الاقليمي، فترى المملكة العربية السعودية أن الحشد الشعبي طائفي وأن اعماله الإجرامية هي طائفية بشكل أساسي ضد السنة وطالبت أيضاً بحل الحشد، فيما قرنت دولة الإمارات وتركيا بين داعش والنصرة والحشد الشعبي من حيث الأفعال الإرهابية.

وبالإضافة إلى ذلك، زعمت العديد من التقارير الدولية أنّ الحشد الشعبي ارتكب فظائع ضد السُنة. وتقول منظمة العفو الدولية أنها تمتلك أدلةً على “جرائم حرب،” وعمليات خطفٍ وقتلٍ لعشرات المدنيين السُنة أقدمت عليها قوات الحشد الشعبي خلال تحرير الفلوجة. وكما تقول كبيرة مستشاري الأزمات في منظمة العفو الدولية، دوناتيلا ريفيرا، “من خلال منح مباركتها للميليشيات […]، يظهر أن الحكومة العراقية تجيز ارتكاب جرائم الحرب.” وعلى صعيدٍ متصل، أوردت منظمة هيومن رايتس ووتش أيضاً تقارير عن انتهاكاتٍ يرتكبها الحشد الشعبي، بما في ذلك حرق المنازل في الفلوجة. ونقل التقرير عن اثنين من المسؤولين في محافظة الأنبار قولهم أنه في 23 يونيو أعدمت الشرطة الاتحادية وقوات الحشد الشعبي أكثر من 10 مدنيين من إحدى العشائر المحلية.

ومن جهةٍ أخرى، ترى إيران أن تجربة الحرس الثوري الإيراني، الباسيج، هي ناجحة ويجب نقلها للعراق للحفاظ على أمن العراق واستقلاله. فقد صرح الجنرال الإيراني محسن رفيقدوست، القائد العام السابق للحرس الثوري الإيراني وأحد أبرز مؤسسيه في زمن الخميني عام 1979، عن استعداده لتشكيل “الحرس الثوري العراقي” على شاكلة الحرس الإيراني. وبذلك، وعلى خلفية تكون عصب الحشد الشعبي من الطرف الشيعي وارتباط قادته عقائدياً مع قيادة الجمهورية الإيرانية، يعتقد أن الجمهورية الإسلامية فرضت هيمنتها السياسية على الإرادة السياسية العراقية من خلال الحشد الشعبي.

الحرب الإقليمية في العراق

إن حقيقة إرتباط الحشد الشعبي بمحاور إقليمية ورؤية نفسه كطرف في المعادلة الاقليمية، لن يكون إلا عامل اضافي في هشاشة استقرار العراق السياسية والاجتماعية، وإضعاف، إن لم يكن تقويض، الحكومة المركزية في العراق. فقد أعلن هادي العامري- قائد منظمة بدر الشيعية وكتائب الحشد الشعبي- قبل أيام، ومن بعده أكرم الكعبي- الأمين العام لحركة النجباء- وصول دعوة مباشرة من القيادة السورية لمحاربة داعش في الأراضي السورية وتأكيدهم على حاجة القتال هناك لاستئصال تنظيم “الدولة الإسلامية”. تلاهما تصريح من قائد الحرس الثوري الإيراني، اللواء محمد علي جعفري، على أنه “قد يتم إرسال الحشد الشعبي إلى سوريا.”

ورغم مشاركة أطراف من الحشد في الحرب الدائرة في سوريا، بموافقة او رفض القيادة العراقية، إلا أن مشاركة الحشد بشكلٍ رسمي يُدخل العراق في أزمة دولية جديدة، وذلك لارتباط الحشد الشعبي بمكتب رئيس الوزراء مباشرةً، وبذلك تكون الدولة العراقية مشاركة رسمياً في الحرب الدائرة في سوريا، مما قد يفتح الباب لصراعات جديدة طائفية وإقليمية تكون الحشود الشعبية وقودها.