الصفحة الرئيسية / العراق / الاقتصاد

الاقتصاد

Iraq Economy - Fanack Chronicle
حفارة في منطقة ميران في إقليم كردستان المتمتع بحكم شبه ذاتي, قازان , العراق Photo Corbis

المحتويات

الإمكانات الزراعية
الخصخصة
الطاقة
قطاع الخدمات
العسكرة
الدَّيون
الحصار التجاري
العلاج بالصدمات
إعادة الإعمار

المقدمة

للعراق قدرات اقتصادية غير مسبوقة بالمقارنة مع غيره من البلدان النامية. حيث يمتلك إمكانيات زراعية هائلة بفضل المياه ورواسب الطمي الخصبة من نهري دجلة والفرات. يضمن حجم السكان (الذي قدّر بـ 30 مليون نسمة عام 2010) وفرة من اليد العاملة. كما أن احتياطات النفط العراقية الواسعة النطاق (حوالي 10% من احتياطيات العالم المؤكدة) والغاز (يحتل العراق المرتبة 11 في العالم) مصدر دخل تعتمد عليه البلاد اعتماداً كلياً تقريباً. عام 1989، قبل عام من فرض الأمم المتحدة الحظر التجاري خلال أزمة الكويت، شكل النفط الخام 98% من عائدات التصدير، وغطى 90% من ميزانية الحكومة. رسمياً، تكمن قوة الاقتصاد العراقي في مزيج من هذه العوامل. وباستثناء إيران، لا يمكن لأية دولة أخرى في الشرق الأوسط أن تمتلك مثل هذه الإمكانيات.

إلا أن للاقتصاد العراقي نقاط ضعف أيضاً. فعلى سبيل المثال، ينبع كل من نهري دجلة والفرات من تركيا، وقبل أن يصل الفرات إلى العراق يمر في سوريا أيضاً. ومنذ منتصف سبعينات القرن العشرين، قامت كل من تركيا وسوريا ببناء سدود كبيرة على الروافد العليا من نهر الفرات، وذلك بقصد الحصول، من بين الأمور الأخرى، على المزيد من الأراضي الصالحة للزراعة عن طريق الري. نتج عن ذلك انخفاض تدفق المياه، مما أضرّ بالمزارعين العراقيين. يعتمد العراق تقريباً بالكامل على البلدان المجاورة لنقل البضائع منه وإليه، ويمتلك خطاً ساحلياً من 58 كم فقط (على الخليج الفارسي).

يمكن التعامل مع هذه المشاكل في ظل سياسة مستقرة. فعلى سبيل المثال، يمكن حل مشكلة المياه بحفر قنوات وإبرام اتفاقيات مع كل من سوريا وتركيا (حتى الآن لم تسفر المفاوضات على أساس القوانين الدولية عن نتائج مرضية). وبالتالي يمكن تنظيم إمدادات المياه بقدر الإمكان لتحقيق الاستفادة المثلى منها. يمكن التغلب على المشاكل التي تنشأ من عدم وقوع العراق على ساحل البحر بالمحافظة على علاقات جيدة مع جيرانه وتطوير طرق نقل بديلة (طرق، أنابيب نقل، سكك حديدية). ويمكن تقليل الاعتماد على دخل القطاع النفطي من خلال توسيع القاعدة الاقتصادية. وعلى الرغم من المحاولات التي بذلت في الماضي للتغلب على هذه القيود بنسب نجاح متفاوتة، إلا أن العراق لا يزال حساساً للغاية تجاه التطورات الخارجية. تعود معاناة العراق في الوقت الحاضر من مثل هذه الصعوبات في المقام الأول إلى ولع نظام صدام حسين بالبحث عن حلول عنيفة، مما أدى إلى ثلاثة حروب مدمّرة في غضون خمسة وعشرين عاماً.

ويواجه الاقتصاد العراقي في السنوات الأخيرة العديد من التحديات الكبيرة كتراجع أسعار النفط في عامي 2015 و2016 وظهور تنظيم داعش. وتواجه الحكومة العراقية العديد من التحديات ومنها المحافظة على استقرار الاقتصاد الكلي للبلاد، وإجراء إصلاحات هيكلية لتحسين مستوى الخدمات العامة وإعادة هيكلة البنية التحتية في المناطق التي تم تحريرها من داعش، وتقديم المساعدات لحوالي 3.4 مليون عراقي نزحوا من مناطق النزاع مع التنظيم.

ونتيجة التحديات الشديدة التي يواجهها العراق واحتياجه لتمويلاتٍ كبيرة، فقد وافق صندوق النقد الدولي في يوليو 2016 على تقديم استعداد ائتماني مدته ثلاث سنوات بقيمة 5.34 مليار دولار أمريكي، بالتزامن مع تقديم البنك الدولي سلسلة من ثلاثة قروض لأغراض التنمية بقيمة 3.2 مليار دولار بين عامي 2015 و2017. كما تعهد مؤتمر المانحين في يوليو 2016 بتقديم 2.1 مليار دولار بين عامي 2016 و2018 بهدف تأمين الدعم المالي للوضع الإنساني الصعب في العراق.
ووصل الناتج الإجمالي المحلي في عام 2015 إلى 180.07 مليار دولار أمريكي، مقارنةً مع 228.73 و234.65 مليار دولار في عامي 2014 و2013 على التوالي. وفي عام 2015، بلغ نصيب الفرد من الناتج الإجمالي المحلي 5820 دولار أمريكي مقارنةً مع 6560 و6840 دولار في عامي 2014 و2013. وبحسب صندوق النقد الدولي، فقد وصلت نسبة التضخم في عامي 2015 و2014 إلى 2% مقارنةً مع 1.4% في عام 2013. ومن المتوقع أن ينمو الاقتصاد العراقي في عام 2016 بنسبة 4.8% بفضل زيادة الإنتاج النفطي.

الإمكانات الزراعية

العراق جغرافيا
توزيع استغلال مساحة العراق

تعتبر حوالي ربع المساحة الكلية من أراضي العراق مناسبة للزراعة وتربية الحيوانات على نطاق واسع. يقع جزء لا بأس به منها في الشمال حيث التلال والجبال في كردستان العراق. والأمطار السنوية في هذه المنطقة كثيرة بما فيه الكفاية إلى حد جعل الزراعة البعلية ممكنة. غير أن الأرض الزراعية الأكثر أهمية تقع في السهول إلى الجنوب من بغداد، حيث يتم ريها من نهري دجلة والفرات.

عبر التاريخ، استمدت المنطقة التي تعرف اليوم باسم العراق ثروتها من الزراعة بفضل وجود نظام ري واسع ومعقد. وبعد تدمير نظام الري من قبل المغول، فقدت المزيد من المناطق قدرتها الإنتاجية بسبب تسمم تربتها السيئة التصريف بفعل الأملاح المترسبة من تبخر مياه الري. وبحلول القرن التاسع عشر، كان البدو الرحل يقطنون الكثير من أراضي بلاد ما بين النهرين الخصبة، والذين استخدموا الأرض لرعاية قطعانهم.

حتى فترة متقدمة من القرن الماضي، كان يتم زراعة حوالي ربع الأراضي المتوفرة الصالحة للزراعة فقط في كل عام، ويعود ذلك جزئياً إلى الممارسة الشائعة بترك بعض الحقول الزراعية دون زراعة كل عام لتستعيد خصوبتها. خفّض إدخال الأسمدة الزراعية من ضرورة ترك الحقول بلا زراعة، إلا أن تراكم الأملاح تسبّب بفقدان خصوبة الكثير من الأراضي التي كانت صالحة للزراعة سابقاً. ووضعت الآثار الكارثية للحرب والحظر الذي فرضته الأمم المتحدة وانخفاض مستويات هطول الأمطار وتزايد وتيرة العواصف الرملية من الصحراء العربية في السنوات الأخيرة، ضغوطاً إضافية على القطاع الزراعي.

الخصخصة

نظام صدام حسين مقاربة اقتصادية مختلفة. ففي أعقاب التطورات الحاصلة في أماكن أخرى من الشرق الأوسط، وبشكل خاص تحت ضغط المشاكل الاقتصادية التي نشأت بسبب الحرب مع إيران، تقلص دور الحكومة المركزية في الاقتصاد ابتداء من ثمانينيات القرن العشرين. تم تنفيذ عملية خصخصة الزراعة بصرامة؛ كما تم تفكيك المزارع التعاونية والحكومية. وبهذه الطريقة أملت بغداد بزيادة الإنتاجية في هذا القطاع. وبعد عام 1985، امتدت هذه العملية إلى القطاعات الاقتصادية الأخرى، باستثناء صناعة النفط الغاية في الأهمية. وفي غضون عامين، أصبحت سلسلة من الشركات الحكومية للصناعات الثقيلة والصناعات الغذائية في أيدي القطاع الخاص، وغالباً في أيدي أصحاب العلاقات الممتازة مع النظام. تم تأسيس المشاريع المشتركة الأولى مع شركات آسيوية وأوربية غربية، وفتحت بغداد سوق الأوراق المالية. عام 1988، ألغيت الرقابة على أسعار المواد الغذائية، مما أدى إلى ارتفاع حاد في الأسعار.

Iraq Economy - Fanack Chronicle
الزراعة في جنوب العراق Photo Fanack

الطاقة

للحصول على نظرة عامة متعمقة على قطاع الطاقة في البحرين، أنقر الزر أدناه.

قطاع الخدمات

Iraq Economy - Fanack Chronicle
تنظيف السجاد في شوارع بغداد Photo Fanack

كما وفر الارتفاع الحاد لإيرادات النفط حافزاً لقطاع الخدمات. فحتى في ظل نظام البعث، بقيت التجارة الداخلية في أيدي القطاع الخاص رغم سيطرة الدولة على التجارة الخارجية. كما زودت أوروبا الغربية واليابان والولايات المتحدة، أهم عملاء النفط العراقي في تلك السنوات وبعد الطفرة النفطية، معظم السلع والخدمات. ارتفعت حصة الكتلة الشرقية في ستينات القرن العشرين، ولكنها أصيبت بالركود في سبعينات القرن العشرين. إلا أن الاتحاد السوفيتي بقي المورّد الأكبر للأسلحة للعراق أثناء الحرب مع إيران.

كان الاستثمار في الرعاية الاجتماعية والتعليم مسؤولاً عن جزء كبير من النمو في قطاع الخدمات. ومنذ منتصف سبعينات القرن العشرين، كان في العراق رعاية صحية مجانية تقريباً وتعليم مجاني حتى نهاية المستوى الجامعي.


وفي عام 1979، بدأ برنامج لمحو الأمية على نحو واسع وناجح. ويتذكر كبار السن العراقيون كيف ارتفع مستوى معيشتهم بفضل زيادة عائدات النفط في سبعينات القرن العشرين.

العسكرة

عانى الاقتصاد العراقي من الحروب المدمرة التي شنها. وكانت نقطة التحول هي الحرب مع إيران التي بدأت عام 1980 واستمرت ثماني سنوات. وكامتداد للحرب، حدثت عسكرة بعيدة المدى للاقتصاد العراقي. ونفذت الميزانية إلى حد كبير لتزويد الحرب بالعتاد العسكري. فقرب نهاية الحرب، كان للعراق حوالي مليون مجند.

خلال السنوات الأولى من الصراع، عمل نظام صدام حسين كل ما بوسعه لحماية السكان المدنيين من الآثار الاقتصادية السلبية للحرب، “سياسة البنادق والزبدة”. استطاعوا القيام بذلك بفضل احتياطات العراق النقدية التي كانت قبل الحرب مباشرة، والتي تقدر بحوالي 35 مليار دولار. وبعد أن طالت الحرب وأغلقت سوريا خط الأنابيب عبر أراضيها عام 1982، بدأ النظام يشعر بالضغط الاقتصادي. قدمت الدول الغنية المجاورة، مثل المملكة العربية السعودية والكويت التي كانت تخشى انتصار إيران، دعماً مالياً واسعاً في تلك السنوات، كما قدم الغرب واليابان والكتلة الشرقية المساعدات لبغداد على شكل اعتمادات. ومع بناء أو توسيع القدرة في أنابيب النفط عبر الأراضي السعودية والتركية، ارتفع دخل النفط مرة أخرى. كل هذا مكّن العراق من مواصلة جهوده الحربية.

الدَّيون

Iraq Economy - Fanack Chronicle
الدمار بعد حرب الخليج Photo Fanack

عام 1988، خرج العراق من حرب إيران مفلساً. أفلس الاقتصاد. ولم يكن هناك عمل للكثير من الجنود المسرّحين، رغم رحيل العمال المصريين (فرّوا من البلاد بإعداد كبيرة بعد سلسلة من الهجمات ضدهم، وتركوا وراءهم الأموال التي جمعوها بشكل عام). انخفضت القوة الشرائية للسكان بنسبة الثلث تقريباً من عام 1980 إلى عام 1988، وأصبح العراق مثقلاً بالديون الخارجية الضخمة: 21 مليار دولار لبلدان أوروبا الغربية والولايات المتحدة وروسيا واليابان، و48 مليار دولار للملكة العربية السعودية والكويت ودول الخليج الأخرى.

حاول صدام حسين حل المشاكل الاقتصادية الملحة بالسطو بشكل أساسي على بنك جارته الغنية، الكويت، في آب/أغسطس عام 1990، مما أدى إلى حرب مدمرة مع التحالف المضاد للعراق. أدى قصف بغداد وأجزاء أخرى من العراق لأسابيع طويلة إلى أضرار واسعة النطاق للبنية التحتية: وفقاً للأمم المتحدة تمت إعادة العراق إلى عصور ما قبل الصناعية.

علاوة على ذلك، طالبت شركات أجنبية وأفراد بتعويضات عن أضرار بعد نهاية حرب الكويت. وهذا ما رفع الديون الضخمة للعراق إلى ما لا يقل عن 200 مليار دولار. وبعد عام 1996، تم تحرير 30% من عائدات برنامج النفط مقابل الغذاء (25% في وقت لاحق) لتسديد هذه المطالب.

Iraq- Government debt to GDP 2007 – 2014
الدين العراقي

الحصار التجاري

Iraq Economy - Fanack Chronicle
بغداد Photo Fanack

لإجبار العراق على التعاون في تفكيك ترسانته من الأسلحة التقليدية، أصبح الحصار التجاري الشامل الذي فرضته الأمم المتحدة بعد غزو العراق للكويتساري المفعول. وفي السنوات التي تلت الأزمة، أدى هذا إلى إفقار هائل للمجتمع العراقي ،حيث ارتفع معدل الوفيات بين الأطفال بشكل مذهل. خوفاً من التداعيات السياسية للمجاعة واسعة النطاق، وافقت بغداد عام 1996 على برنامج النفط مقابل الغذاء، والذي تم إعداده في العام السابق تحت رعاية الأمم المتحدة.

منذ ذلك الحين، كان كل مواطن عراقي يتلقى حزمة غذاء أساسية من واحدة من آلاف نقاط التوزيع المنتشرة في جميع أنحاء البلاد. وتحتوي الرزمة على الدقيق والأرز والسكر والزيت والصابون ومسحوق الحليب وغيرها من المواد، ولكن لا يكاد يوجد أي مصدر إضافي للبروتين فيها. وكانت تغطي الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية الأساسية خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الشهر، وكان عليهم استكمال الباقي من دخلهم الخاص، الأمر الذي كان مستحيلاً غالباً بسبب ارتفاع معدلات البطالة. كان نحو 60% من السكان يعتمدون بشكل كامل على توزيع المواد الغذائية هذا من أجل البقاء على قيد الحياة في سنوات الحصار.

مع أن المشاكل الاقتصادية كانت خطيرة في شمال العراق (كردستان العراق)، إلا أن الحياة هناك خلال تسعينات القرن العشرين أصبحت أفضل من جنوب العراق ووسطه. كان من بين الأسباب تهريب منتجات نفطية من بغداد إلى تركيا وبرامج المساعدات واسعة النطاق التي كانت تديرها منظمات المساعدات الغربية. علاوة على ذلك، استلمت المنطقة 13% من عائدات برنامج النفط مقابل الغذاء بعد عام 1996. وأخيراً، قدّم العديد من أكراد الشتات المساعدات لعائلاتهم التي تركوها خلفهم لاجتياز هذه السنوات الصعبة.

العلاج بالصدمات

Iraq Economy - Fanack Chronicle
Photo Fanack

بعد سقوط نظام صدام حسين، تعهدت واشنطن بإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي بشكل جوهري، وذلك في انتهاك للقانون الدولي الذي يرفض منح قوة الاحتلال هذه السلطة. وكمحاكاة لـ “العلاج بالصدمات” الاقتصادية التي تم تطبيقها سابقاً في أوروبا الشرقية، تم فتح الاقتصاد بشكل كامل وتخفيض دور الدولة إلى الحد الأدنى، كما أعطيت السوق الحرة دوراً غير محدود.

رغم الخطاب الرسمي، استلهمت “عملية تحرير العراق” في المقام الأول من دوافع اقتصادية واعتبارات جيوسياسية مرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً. كان غزو السوق، الذي بقي مغلقاً حتى ذلك الوقت في وجه الولايات المتحدة، على المحك، وذلك في بلد يمتلك واحداً من أكبر احتياطات النفط في العالم. وسرعان ما اتضح ذلك بعد فترة وجيزة من سقوط نظام صدام حسين.

على أساس المراسيم الصادرة عن بول بريمر، رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة، تم اتخاذ خطوات لتحويل الاقتصاد ذي التوجيه الحكومي إلى اقتصاد سوق حرة. تم خلق ظروف مواتية غير مسبوقة لرأس المال الأجنبي (الولايات المتحدة في المقام الأول). فعلى سبيل المثال، تم فتح الاقتصاد بأكمله للاستثمار الأجنبي، باستثناء قطاع الطاقة. حيث يمكن للمستثمرين الأجانب إقامة مشاريع تجارية دون ترخيص ودون شريك محلي، ولا يتطلب إعادة استثمار أي جزء من الأرباح في العراق؛ تم إلغاء الرسوم الجمركية على الواردات واستبدالها بضريبة 5% لتمويل إعادة الإعمار؛ كما تم تخفيض ضريبة الدخل القصوى إلى 15%.

خضعت هذه السياسة، التي أدت إلى استقطاب اجتماعي كبير، إلى مقاومة من شركاء واشنطن العراقيين، حيث تم تعديل الخطط، لكن دون التخلي عنها. وعلى الرغم من انتهاء برنامج النفط مقابل الغذاء رسمياً في نهاية عام 2003، استمر توزيع حزم الغذاء الأساسي، وذلك بسبب قلق واشنطن والحكومة العراقية الجديدة من رد الفعل السياسي الذي يمكن أن يثيره إيقاف البرنامج.

إعادة الإعمار

انتهى الحظر التجاري الذي فرضته الأمم المتحدة، والذي كان ساري المفعول منذ آب/أغسطس عام 1990، بموجب قرار مجلس الأمن 1483 (22 أيار/مايو عام 2003). وتم إيداع جميع الأموال العراقية المجمدة في البنوك الأجنبية، إلى جانب عائدات برنامج النفط مقابل الغذاء التي لم يتم إنفاقها بعد، وعائدات النفط التي تم الحصول عليها بعد 22 أيار/مارس عام 2003، في صندوق تنمية العراق. كانت سلطة الائتلاف المؤقتة تدير هذا الصندوق حتى 28 حزيران/يونيو عام 2004. وكان مجلس مراجعة البرنامج المكوّن من 12 عضواً يضبط النفقات. ومع أنها كانت أموالاً عراقية، إلا أن العراقيين كانوا يشكلون أقلية في هذا المجلس. وعشية تنصيب الحكومة المؤقتة في 28 حزيران/يونيو عام 2004، كان قد تم إنفاق كامل احتياطي صندوق تنمية العراق تقريباً. تلقت شركات أميركية ضخمة مثل Halliburton و Bechtel طلبات ضخمة دون عروض تنافسية. وفي ظل غياب مراجعة كافية للحسابات، أدى ذلك إلى هدر الموارد المالية والاحتيال.

بعد 28 حزيران/يونيو عام 2004، انتقل دور سلطة الائتلاف المؤقتة إلى السفارة الأمريكية. وكانت تحتوي على حوالي 3000 موظف، السفارة الأمريكية الأكبر في العالم. وكان تحت تصرفها معظم المبالغ التي خصصها الكونغرس الأمريكي في تشرين الأول/أكتوبر عام 2003، والبالغة 18 مليار دولار، من أجل إعادة الإعمار. وحتى بعد الانتقال الرسمي للسلطة إلى الحكومة المؤقتة في 28 حزيران/يونيو عام 2004، تمكنت الولايات المتحدة، بنفوذها وموقع سلطتها، من المضي قدماً في إعادة هيكلة الاقتصاد العراقي وأخذ موقع قوي، إن لم يكن مهيمناً، في السوق الغنية.

الشروط

كان الانتعاش الاقتصادي للعراق ممكناً فقط في حال تمكن العراق من تخفيف ديونه الضخمة. لذا كانت إحدى أولويات واشنطن العمل من خلال “نادي باريس” (منظمة الدول الغنية) لإعفاء العراق من 90% من الديون، بذريعة أن الشعب العراقي لا ينبغي أن يدفع لأجيال ثمن السياسات غير المسؤولة للدكتاتور (ما يسمى بمبدأ “الدين البغيض”). إلا أن هذا الإعفاء لم يمنح بعد.

كان الشرط الثاني لإنعاش الاقتصاد وجود استثمارات واسعة النطاق لإعادة الإعمار والتنمية، خاصة في البنية التحتية التي دمرت وتضررت بشدة. وقدّر البنك الدولي بأن الأمر يحتاج إلى 55 مليار دولار. وينبغي إعطاء الأولوية لقطاع النفط لكي تتمكن العراق من تمويل المزيد من إعادة الإعمار من مواردها الخاصة في أسرع وقت ممكن. وحتى التوصل إلى هذه النقطة، يعتمد العراق على الدعم المالي من المجتمع الدولي. أسفر مؤتمر كبير للمانحين في مدريد في تشرين الأول/أكتوبر عام 2003 عن تعهدات بقيمة 33 مليار دولار، 18 مليار منها من الولايات المتحدة. وفى المانحون بأجزاء صغيرة فقط من تلك التعهدات بسبب عدم تناقص هيمنة الولايات المتحدة على العراق. وكان على واشنطن ضخ مبالغ كبيرة من أجل الحفاظ على إعادة الإعمار على الطريق الصحيح.

العنف

أما الشرط الثالث لإنعاش الاقتصاد فهو ضرورة استعادة السلام والقانون والنظام. فعلى الرغم من صعوبة الانتعاش الاقتصادي بأي حال، أصبحت الأمور أكثر سوءً بعد عام 2003 بسبب حركة التمرد بشكل أساسي، والتي لم تستهدف القوات الأجنبية ومسؤولي الحكومة العراقية والمرافق فحسب، وإنما أيضاً المنشآت الاقتصادية مثل أنابيب النفط. وبعد تفجير المسجد الذهبي في سامراء في شباط/فبراير عام 2006، سرعان ما زاد العنف الطائفي إلى مستويات غير مسبوقة وقتل عدة آلاف من المدنيين. تشرّد نحو أربعة ملايين آخرين داخل العراق، أو انتهى بهم المطاف كلاجئين في الدول العربية المجاورة. كان من بينهم أشخاص مدربون تدريباً جيداً استطاعوا أن يقدموا مساهمة قيمة في انتعاش الاقتصاد. سمحت السلطات الكردية (حكومة إقليم كردستان) لرجال الأعمال العرب والفنيين ذوي المهارات العالية بنقل نشاطاتهم الاقتصادية إلى المحافظات الكردية، ولكنهم كانوا قلة.

منذ عام 2008، ولتراكم مجموعة من العوامل (انظر انحسار الفوضى)، انخفض مستوى العنف تدريجياً، باستثناء ارتفاع مفاجئ من آب/أغسطس عام 2009 إلى عام 2011، ثم انخفض مرة أخرى. غادرت القوات الأمريكية عند نهاية ذلك العام.