الصفحة الرئيسية / قانون الأسرة و الأقليات / العنف الأسري في شمال افريقيا: بصيص أملٍ في ظل القوانين الجديدة؟

العنف الأسري في شمال افريقيا: بصيص أملٍ في ظل القوانين الجديدة؟

Tunisians-protest-against-domestic-violence
متظاهرون تونسيون يحملون شعارات خلال مظاهرة للاحتجاج على العنف ضد المرأة في تونس، دعما لإمرأة اغتصبها رجلان من الشرطة. Photo Polaris

عموماً، يتم تجنّب العنف الأسري بالقوانين والسياسيات التي تروّج للمساواة بين الجنسين في شمال افريقيا، ويرجع ذلك بشكلٍ أساسي لكفهم البصر عما يحصل خلف الأبواب الموصدة. ومع ذلك، لا يمكن إحراز تقدمٍ يُذكر ما لم يصبح الخاص عامّاً، في نهاية المطاف.

في الواقع، وعلى الرغم من أنّ البعد القانوني لا يشكل سوى عنصراً واحداً من الكوكبة الأوسع للعلاقات والمؤسسات الجنسانية، إلا أنه يُشكل عنصراً مصيرياً ورديفاً في شمال افريقيا. فقد شهدت المنطقة تحولاتٍ إجتماعية واقتصادية وسياسية عميقة في العقود الأربع الماضية، كما تبرز الحاجة إلى إعادة فتح باب النقاش بشأن العنف الأسري في ضوء هذا الواقع الجديد.

فالوضع القانوني للعنف المنزلي في شمال افريقيا يظهر جلياً عند إلقاء نظرةٍ سريعةٍ عليه. ففي المغرب على سبيل المثال، تُجرم المادة (490) من قانون العقوبات ممارسة المرأة للجنس خارج إطار الزواج، وتتراوح العقوبة بالسجن من شهر إلى عام. بيد أنه نادراً ما تُنقل هذه القضايا إلى أروقة المحاكم، لأن الإدانة تعتمد إما على شهادة شهود العيان أو إعتراف أحد الجناة. كما أنّ حمل المرأة غير المتزوجة دليلٌ على إقامتها علاقة جنسية وقد يؤدي هذا إلى الملاحقة الجنائية، إلا أنّ مسؤولية شريكها الذكر غير معترف بها بموجب القانون. وعلى الرغم من أنّ جرائم الشرف نادرة الحدوث جداً في المغرب، إلا أن الصحف تورد في بعض الأحيان تقارير عن ملاحقاتٍ قضائية بحق النساء الحوامل اللواتي لا يستطعنّ تحديد هوية والد الطفل. وعلاوة على ذلك، لا توجد قوانين تحظر على وجه التحديد العنف الأسري، على الرغم من وجود نواهي عامة ضد الإعتداء ترد في قانون العقوبات، القابلة للتطبيق نظرياً على هذه الحالات. وعلى صعيدٍ متصل، تعتبر الإساءة الجسدية سبباً موجباً للطلاق، إلا أنه ينبغي على الزوجة دعم إدعائها بشهود (أنظر المادة (100) من المدوّنة أو قانون الأسرة المغربي). وفي حال لم تتمكن الزوجة من إثبات قضيتها، تُعيد السلطات الزوجة إلى منزل المعتدي عليها، مما قد يتركها في وضعٍ أسوء مما كانت عليه قبل تقديم الشكوى. ونتيجةً لذلك، عددٌ قليلٌ من النساء يُبلغنّ عن تعرضهنّ للعنف المنزلي.

كما يُعتبر الاعتداء الجنسي والاغتصاب جريمة جنائية، بالرغم من أنّ اغتصاب الزوجة ليس كذلك، إذ تصل العقوبة القصوى لكل جريمة السجن لخمس سنوات. وبالنظر للمفاهيم المجتمعية السائدة المتعلقة بشرف الأفراد والأسرة، نادراً ما يظهر ضحايا العنف الجنسي على الملأ خوفاً من جلب العار لأسرهم. فقد ألغي القانون رقم 475 الذي يسمح للمغتصب بالزواج من ضحيته، إلا أن الإبلاغ عن الاغتصاب لا يزال محرماً.

فضحايا العنف الأسري من النساء لا يتمتعنّ بحماية مناسبة من القانون أو المجتمع. وغالباً ما تواجه النساء صعوبة في تقديم أدلةٍ على العنف الأسري، إذ يفتقرنّ عادةً إلى وجود شهود، كما لا تأخذ السلطات بكلمتهنّ بعين الإعتبار.

يشكّل العنف الأسري أغلبية- أي ما متوسطه 74%– من العنف المُرتكب ضد المرأة في المغرب، وذلك وفقاً لتقريرٍ عن العنف الجنساني في الفترة ما بين سبتمبر 2005 وأكتوبر 2006 والذي نشرته جمعية أناروز، وهي شبكة وطنية لدعم النساء من ضحايا العنف. ومن الأشكال الأخرى للعنف والتي شملها التقرير، العنف المؤسسي (8,8%)، والعنف خارج إطار الزواج (6,8%)، الذي يشمل الإيذاء البدني واللفظي والاعتداء والقتل (14,4%). .

وفي الجزائر، يُشكل العنف الأسري مشكلةً قانونية واجتماعية. فقد قدمت حوالي 7,400 إمرأة شكاوى بتعرضهنّ للعنف المنزلي عام 2009، أي أكثر بـ1,555 شكوى عن عام 2004، وذلك وفقاً لوكالة إنفاذ القانون التي تعالج مثل هذه الحالات. ووفقاً لـ Belala ، “العنف ضد المرأة مشكلة منتشرة في الجزائر. وهو يمس جميع الطبقات الاجتماعية وجميع المناطق، ما عدا في أقصى الجنوب حيث ينفي الطوارق الرجال الذين يغتصبون النساء.”

فقد كانت منظمة SOS Woman، وهي منظمة جزائرية غير حكومية أنشئت قبل حوالي 15 عاماً، أول من شجب العنف الأسري ضد المرأة علناً. ووفقاً للمنظمة غير الحكومية، على الرغم من تزايد العنف الأسري ضد المرأة في الجزائر، إلا أنّ الضحايا لا يزلنّ يخشينّ الفضيحة وبالتالي يتجنبنّ التوجه إلى الشرطة أو المحكمة. وحسبما ذكر متحدثٌ باسم المنظمة “تتحدث الضحايا إلينا على الهاتف دون ذكر أسمائهن. تصلنا مئات المكالمات من النساء اللواتي يُجبرن على الجماع من الدبر أو يُجبرن على القيام بأمور لا ترضيهنّ أخلاقياً.”

ولا يزال القانون الجزائري يسمح للمغتصب بالإفلات من الملاحقة القضائية بالزواج من ضحيته، على الرغم من أن قانوناً جديداً صدر في عام 2016 يعُرّف التحرش الجنسي والعنف ضد المرأة بالجريمة. وبناءً على ذلك، إذا ما منع العنف الأسري المرأة من العمل لأكثر من 15 يوماً، يواجه الجاني عقوبة السجن لفترة تترواح ما بين عامين وخمسة أعوام. وإذا ما تعرضت المرأة للتشويه، أو إذا ما تسبب العنف بفقدان البصر أو أحد الأطراف، أو أي نوعٍ من الأضرار الدائمة، يمكن أن يواجه الجاني عقوبة السجن من 10 إلى 20 عاماً.

وفي تونس، خلصت دراسة استقصائية أجراها عام 2012 المكتب الوطني للأسرة والسكان، إلى أن واحدة من كل خمس نساء هنّ من ضحايا العنف الأسري. ويشمل هذا العنف الجنسي، والضرب بقصد الإيذاء، وغيرها من العنف الجسدي والنفسي، مثل التهديد والتخويف داخل حدود الزواج. فعلى سبيل المثال، شملت الدراسة حالة سيدة تبلغ من العمر 49 عاماً وهي أم لستة أطفال ومتزوجة منذ 30 عاماً، تعرضت لعنف بدني ونفسي وجنسي خلال فترة الزواج. رفعت المرأة قضية ضد زوجها في عام 1979، ومع ذلك، اضطرت إلى سحبها عندما ألقيّ القبض عليه واحتجز لمدة أسبوع لأنها تعتمد عليه مالياً. وفي عام 1998، ضربها زوجها عندما رفضت ترك وظيفتها. وفي نهاية المطاف، تركت الزوجة منزل العائلة وقدمت شهادة طبية بإصاباتها للقاضي، إلا أن الزوج قدم طلباً للطلاق بحجة النشوز، وهي خطوة لم تتمكن من اتخاذها لأن موافقته كانت لازمة للطلاق.

الجمعية التونسية الوحيدة التي تُدير مأوىً للنساء اللواتي يتعرضنّ للإساءة هي الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات (ATFD). ووفقاً لتقريرٍ عن النساء ضحايا العنف الأسري، والذي نشرته الجمعية عام 2001، فإن معظم النساء اللواتي يلتمسنّ المأوى في الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، تعرضنّ للضرب إما من الزوج/ الشريك أو من أحد الذكور من أفراد الأسر الممتدة. إن الأسباب الرئيسية لعدم إبلاغ المرأة عن العنف هي التبعية الاقتصادية وعدم الاعتزاز بالنفس. أما بالنسبة للموقف الرسمي بشأن العنف الأسري، فإن الدولة التونسية تفضل ترك الأمر للعائلة الممتدة للتعامل مع الأمر.

وعلى الرغم من أنّ تونس تمتلك بعضاً من أكثر القوانين تقدماً في مجال حقوق المرأة في المنطقة، كما أن الدستور الجديد الذي أقر في عام 2014 يضمن ظاهرياً المساواة الكاملة بين الجنسين، فإن الاضطرابات المستمرة في أعقاب ثورة عام 2011 تعني أن البلاد تحرز مرتبة متخلفة عندما يتعلق الأمر بسلامة المرأة.

وعلى الصعيد القانوني، تعالج المادة (218) من قانون العقوبات التونسي العنف الأسري. فقد أدخل تعديلٌ على هذه المادة في عام 1993، مما رفع من شدة العقوبة على الاعتداء الذي يرتكبه أحد الزوجين ضد الآخر أو اعتداء أحد الوالدين على الطفل. وبموجب المادة نفسها، فإن عقوبة العنف الأسري هي السجن لمدة سنتين وبغرامة قدرها ألفيّ دينار. ويمكن رفع هذا الحكم إلى السجن لمدة ثلاث سنوات وغرامة قدرها 3 آلاف دينار، إذا كان العنف مع سبق الإصرار. وفي الحالات التي تقرر فيها الضحية سحب الدعوى، تنص المادة على وقف الإجراءات أو المحاكمة أو إنفاذ العقوبة.

باختصار، في حين أن الاغتصاب أو العنف الجنسي في إطار الزواج يتم تجريمه في النظام القانوني المغربي، فإن القانون التونسي لا يحظره صراحةً. العنف الأسري محظورٌ في المغرب وفقاً للمبادىء التوجيهية التي قدمها المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالعنف ضد المرأة في الدورة الثانية والخمسين للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة (U.N. doc. E/CN/.4/1996/53, Add.2). غير أنه تجدر الإشارة إلى أن المنظمات غير الحكومية النسائية، تسعى، في بلدان شمال أفريقيا الثلاث المذكورة أعلاه، إلى زيادة الوعي بمسألة العنف الأسري من خلال الحملات وإسداء العون. ولا تزال هناك حاجة ماسة إلى الإرادة السياسية، والتدريب الكافي للشرطة والقضاة، وإنفاذ القانون ومعاقبة مرتكبي العنف الأسري.

كما ذكر تقريرٌ لمنظمة العفو الدولية حول مصر، وجود العنف الجسدي والنفسي الوحشي ضد النساء، إذ كان الضرب والجلد والحرق والعزلة القسرية من بين الانتهاكات التي أبلغت عنها النساء اللاتي أجريت معهن مقابلات. كما أجرت وزارة الصحة المصرية استقصاءها الخاص بشأن العنف الأسري، حيث أفادت نصف النساء اللواتي تمت مقابلتهنّ بأنهنّ تعرضنّ لشكلٍ ما من أشكال العنف الأسري. وتلقي حركات حقوق المرأة باللائمة على التحيزات المتأصلة والقوانين التمييزية للعنف الأسري الجنساني. وعلاوة على ذلك، فإن ازدراء الشرطة والنظام القضائي المتحيز، يُثني النساء عن الإبلاغ عن حوادث العنف.

وفي ليبيا، تُفضي الحرب الأهلية الجارية إلى العنف ضد المرأة. ومن المعروف أن النساء يدفعن ثمناً باهظاً جداً في المجالين الخاص والعام في أوقات الحرب، إذ يشكل العنف الأسري جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية لليبيين المحاصرين في الصراع.