الصفحة الرئيسية / التطرف / سوريا: الملاذ الآمن لداعش

سوريا: الملاذ الآمن لداعش

كوباني، سوريا - 28 يناير 2015: وسط مدينة كوباني بعد تحريرها من الدولة الاسلامية - Esber Ayaydin / Anadolu Agency
كوباني، سوريا – 28 يناير 2015: وسط مدينة كوباني بعد تحريرها من الدولة الاسلامية – Esber Ayaydin / Anadolu Agency
28 يناير 2015: قوات البيشمركة الكردية تتخذ احتياطات أمنية ضد الدولة الإسلامية في العراق -Emrah Yorulmaz - Anadolu Agency-والشام شمال الموصل
الموصل، العراق – 28 يناير 2015: قوات البيشمركة الكردية تتخذ احتياطات أمنية ضد الدولة الإسلامية في العراق -Emrah Yorulmaz – Anadolu Agency-والشام شمال الموصل

في مطلع 2015، صرح الجنرال جون آلن المبعوث الأميركي الخاص لدى الائتلاف العالمي للتصدي لداعش أن التحالف الدولي يترك تأثيراً قوياً في سوريا، “فلقد ضربنا مراكز القيادة والسيطرة لدى داعش، وخطوط إمداده، ومقاتليه، وقادته، وبنيته التحتية وموارده العسكرية والاقتصادية. كما أننا أضعفنا قدرة داعش على إنتاج وتجهيز ونقل النفط.”

وليس ببعيد عن هذا الشأن، أعلن الكولونيل ستيف وارن، المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، في السادس عشر من يناير ,2015 أن الجيش الأميركي يعتزم إرسال أكثر من 400 جندي في ربيع هذا العام لتدريب قوات المعارضة السورية في معركتها ضد داعش. وكان اللواء في الجيش الامريكي مايكل ناغاتا ومبعوث الولايات المتحدة الخاص لسوريا‬ دانييل روبنستين التقيا في وقت سابق مع طيف واسع من قادة المعارضة السورية والمجتمع المدني السوري في اسطنبول حول برنامج التدريب ذاك.

لكن رغم كثرة التصريحات والأخبار عن مدى التزام التحالف الدولي بضرب داعش، والتي يحمل بعضها الكثير من روح الانتصار، يرى ثلة من المراقبين أن الأوضاع على الأرض لا تشي بهزيمة وشيكة لتنظيم داعش، أو بزعزعةٍ فعليةٍ في نفوذه واستقراره النسبي، أو حتى بوقف توسعه على الأرض، خاصة في سوريا. فحسب تقارير عدة، استمرت داعش بتعزيز نفوذها في مناطق عدة من سورية بعد بدء الحملة الدولية في 2014، كما أنها دخلت مناطق جديدة في الغرب السوري وقرب العاصمة دمشق حيث يسيطر نظام الاسد. كما تشير تقارير أميركية إلى أن قدرات داعش المالية الآن تتخطى بأضعاف ميزانيات ما سبقها من حركات جهادية مماثلة.

وحسب الكاتب السياسي ورئيس تحرير صحيفة اللواء صلاح سلام فإن ثمة تسليماً اليوم بواقع وجود «الدولة الإسلامية» لفترة غير قصيرة. ويقول أن دولاً مثل “تركيا فتحت بالفعل قنوات تواصل مع تنظيم الدولة الإسلامية، وتمكنت من خلال ذلك من تحرير دبلوماسييها في الموصل بسرعة ملحوظة.” وفي أواخرديسمبر 2014، فوجئ العالم بتطور عسكري مفاجئ مثّله إسقاط التنظيم لإحدى طائرات سلاح الجو الملكي الأردني في منطقة الرقة بسوريا وأسر طيارها معاذ الكساسبة. ويكثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مفاوضات سرية تجري بين التنظيم والحكومة الأردنية بهدف تبادل الطيار الأسير مع معتقلين متشددين يقبعون في السجون الأدرنية، وهو أمر ـ إن حدث ـ يحمل كثيراً من الدلالات الدبلوماسية.

“لكن الخطوة الدبلوماسية الكبيرة التي حققتها قيادة التنظيم مؤخراً،” يقول سلام “كانت موافقة الفاتيكان على فتح قنوات التواصل والتفاوض مباشرة مع داعش، بهدف البحث بالإجراءات الممكنة لإعادة المسيحيين إلى مدنهم، خاصة في الموصل، إلى جانب مناقشة الخطوات اللازمة لحماية بقايا المسيحيين المتواجدين في مناطق سيطرة داعش.” ولم يكن العالم قد استفاق بعد من صدمة إسقاط الطائرة حين أعلنت القيادة المركزية الأمريكية إن داعش قامت باختراق حسابيها على موقعي تويتر ويوتيوب. وما زلنا نسمع بين الحين والآخر أخباراً من قبيل أن التنظيم شرع بإصدار جوازات سفر لمواطنيه وصكوكاً نقدية للتداول الداخلي وافتتاح مصرف ومنح قروض وإصدار قانون للسير وإنشاء كلية للطب. كل هذه التطورات والأنباء ـ رغم قلة أهمية بعضها ـ فإنها تنبئ بأن ضرراً فعلياً لم يمس هيكلية التنظيم ـ على الأقل في سوريا ـ بعد ثلاثة أشهر من الضربات الجوية المتواصلة.

وفي مقارنة بسيطة يصعب للمرء أن يتخيل أن تنظيم داعش استطاع اجتياح الموصل وتهديد العاصمة بغداد في أقل من خمسة أيام، بينما يقول الجنرال جون آلن إن تحرير الموصل لوحدها يحتاج إلى ثلاث سنوات. وفي تصريح لوكالة سي أن أن الأمريكية منتصف الشهر الجاري يقول السيناتور الأمريكي جون ماكين “لم نتمكن من طرد داعش من بلدة تدعى كوباني رغم استخدام القوة الجوية ولعدة أشهر الآن.. داعش ينتصر في الوقت الحالي وعلينا ملاحقتهم.”  يرى عدد من المحللين أن استرخاء داعش في مناطق عدة من سوريا يعود إلى تركيز التحالف في ضرباته على وجود داعش في العراق وبضع مناطق كردية في سورية فقط. وتقول المحللة جينيفر كافاريلا من معهد دراسات الحرب الذي يتخذ من واشنطن مقراً له أنه “بعد خسارة تنظيم داعش السيطرة على أراض من منطقة سنجار في العراق، ذهب مقاتلوه إلى سوريا التي قلما يجري استهدافها، والتي تشكل ـ إلى حد ما ـ ملاذاً آمناً يستخدمه أفراد داعش من أجل إعادة تنظيم صفوفهم والانقضاض من جديد.”

ويؤكد ذلك مسؤول رفيع في وزارة الدفاع الأمريكية إذ يقول: “بالتأكيد، استطاع تنظيم الدولة الإسلامية التوسع في سوريا، لكن هذا لا يشكل هدفنا الرئيسي… من غير الممكن وصف سورية بالملاذ الآمن لداعش، لكنه مكان يسهل عليهم فيه تنظيم أنفسهم والتخطيط والبحث عن مخبأ أكثر مما يمكنهم فعل ذلك في العراق.” ويتردد صدى ذات التصريح عن طريق الناطق باسم القيادة المركزية الأمريكية العقيد باتريك رايدر إذ يقول أن هدف الضربات الجوية للتحالف لم يكن منع مقاتلي داعش من السيطرة على مزيد من الأراضي في سوريا، وإنما كان إضعاف التنظيم في العراق.

وحسب تقرير نشرته مؤخراً صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، فإن ثمة تياراً ضمن الإدارة الأمريكية يدفع نحو تغيير السياسة الأمريكية الحالية تجاه داعش والمتمثلة بالتركيز على العراق. وينص أحد الاقتراحات، حسب الصحيفة، على أن تقوم الولايات المتحدة بتشكيل منطقة عازلة على طول الحدود التركية السورية، تحميها القوات الأمريكية من الجو وقوات المعارضة السورية على الأرض، لكن هدا الاقتراح يلقى معارضة في الإدارة لانطوائه على المزيد من الانخراط في الأزمة السورية.

ويعتقد أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كوجالي سمير صالحة أن على التحالف أن يراجع إستراتيجيته تجاه ملفي الأزمة السورية وتنظيم الدولة. وأضاف أنه بعد أكثر من عام على المواجهة يجري النقاش بشأن قوة التنظيم الذي عرفت له تجارب سابقة، متسائلا عن دور أجهزة الاستخبارات في تقييمه عسكريا. ويضيف صالحة أن التحالف الدولي لم يكن منسجما في هذه الحرب ولم يكن على الأرض تنسيق حقيقي، مشيرا إلى أن ذلك يبعث على القلق مع حادثة إسقاط الطائرة.

في ذات الحين يُرجع مراقبون تركيز التحالف على داعش قي العراق إلى عدم رغبة الغرب بتقوية نظام بشار الأسد وقلب التوازن لصالحه. فهم يقومون بالتنسيق مع الحكومة العراقية في قتال داعش في العراق، وهو الأمر الذي لا يمكنهم القيام به في سوريا. ويضيف أصحاب هذا الرأي أن الافتقار إلى شريك فعلي على الأرض السورية يفقد الغرب شهيته في اقتلاع داعش هناك.

وهكذا، لا يبدو أن الجزء المتعلق بسوريا من محاربة داعش سوف يتعدى تدريب مقاتلين من المعارضة السورية المعتدلة ليشكلوا نواة شريك على الأرض ويقوموا بالتصدي لداعش، وهي عملية تجري ـ حتى الآن ـ بخطىً متثاقلة، وقد تستغرق وقتاً طويلاً حسب الكثير من التسريبات. كما أن هذا التدريب لن يتجاوز ـ حسب التقارير ـ الأسلحة التقليدية الخفيفة والمتوسطة. أما باقي ما تبقى من ضربات الجو فهو مركز حالياً على قتال داعش في محيط المناطق ذات الأغلبية الكردية مثل كوباني، التي تشير التقديرات إلى أن خمساً وسبعين بالمائة من ضربات التحالف في سوريا ـ نهاية 2014 ـ تركزت في محيطها.