الصفحة الرئيسية / مصر / حقوق الإنسان / لا مكان للصحافة النقدية في مصر

لا مكان للصحافة النقدية في مصر

الصحافة في مصر
صحفيون يحتجون ضد القيود المفروضة على الصحافة ويطالبون بإطلاق سراح الصحفيين المحتجزين في القاهرة، مصر، 28 أبريل 2016. Photo APAImages/REX/Shutterstock

في ديسمبر 2016، جمدت لجنة من الحكومة المصرية، كُلفت بالاستيلاء على أصول أعضاء الإخوان المسلمين، أصول الشركة الإعلامية Business News. تنشُر الشركة الصحيفة الاقتصادية، جريدة البورصة، والصحيفة الصادرة باللغة الإنجليزية Daily News Egypt، والنسخة العربية من مجلة فوربس.

وفي الوقت نفسه، أقرّ البرلمان قانوناً إعلامياً جديداً، والذي تحل بموجبه هيئة جديدة، المجلس الأعلى للإعلام، محل المجلس الأعلى الحالي للصحافة، في منع شركات الإعلام من نشر الأخبار التي تعتبر “ضارةً بالأمن الوطني،” إذ تعكس هذه الأحداث تزايد الراقبة المفروضة على وسائل الإعلام المستقلة في مصر.

كما جُمدت أيضاً أصول رئيس مجموعة Business News، مصطفى صقر، حيث تشتبه السُلطات بعضويته بجماعة الإخوان المسلمين. وقد نفى صقر أي علاقةٍ له مع جماعة الإخوان المسلمين. فمن جانبٍ آخر، تُعرف صحيفة Daily News Egypt بكونها صحيفة ليبرالية حافظت على مستوىً أعلى من الإستقلالية والإنتقاد من غالبية الصحف في البلاد. وخلال حكم الإخوان المسلمين (2012-2013)، كانت الصحيفة تنتقد الحكومة بشدة، وتنشر افتتاحياتٍ مناهضة للرئيس مرسي. ولا تزال لهجتها الإنتقادية طاغيةً حتى يومنا هذا.

والأمر اللافت للنظر، أن الرئيس عبد الفتاح السيسي كان قد نشر مقالين افتتاحيين في الصحيفة، بمناسبة مؤتمرات اليورومني عاميّ 2014 و2015، داعياً من خلالهما المجتمع التجاري الدولي للاستثمار في مصر.

وإلى جانب كونها لكمة لحرية الإعلام، يعكس تجميد الأصول، الحملة المنهجية التي تشنها الحكومة على جماعة الإخوان المسلمين، التي تنامت لتشمل حملةً ضد المعارضين. فقد أصبحت الإشارة إلى وجود علاقة مع الإخوان، حتى عند الإفتقار إلى أي دليل، أداةً فعالة لتشويه سمعة أي منظمة أو فرد.

ففي أعقاب ثورة يناير من عام 2011، والتي أطاحت بحكم مبارك الاستبدادي الذي استمر 30 عاماً، ازدهر المشهد الإعلامي في مصر. فقد تم تأسيس صحفٍ مملوكة للقطاع الخاص، مثل صحيفة التحرير، التي تتمتع بحرية غير مسبوقة لمعايير الحرية في مصر.

ولكن منذ الإطاحة بمحمد مرسي من جماعة الإخوان المسلمين في يوليو 2013، تحوّل المسار وباتت الصحافة المستقلة ترزح بشكلٍ متزايد تحت الضغوطات. فقد انحازت العديد من الصحف الخاصة، بقوة، لموقف السيسي منذ ذلك الحين.

وفي لقاءٍ مع Fanack، أخبرنا محررٌ سابق في الموقع الإخباري The Cairo Post، الموقع الناطق باللغة الإنجليزية لصحيفة اليوم السابع، شريطة عدم الكشف عن هويته، كيف أن الصحيفة أيدّت بقوة وصول السيسي للحكم. وقال “طلب منا في إحدى المرات رئيس التحرير خالد صلاح أن يجتمع جميع فريق التحرير في مكتبه، حيث وضّح لنا أننا أحرارٌ بالقيام بعملنا، إلا أنه لا بد أن نفهم أن جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية ويجب أن يصبح السيسي رئيساً، ذلك “أن الجميع يحبه.”

وفي مناسبةٍ أخرى قال انه ألصقت ملاحظات على جميع جدران المكتب تحتوي تعليمات بعدم الإشارة إلى أي من المتظاهرين بـ”مناهضين للنظام،” أو “موالين لمرسي،” أو “متعاطفين مع الإخوان المسلمين،” بل الإشارة لهم، بشكلٍ منهجي، كـ”أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين،” وعملياً إزالة أي فارق بسيط عند كتابة التقارير.

وإلى جانب ذلك، واجه الصحفيون الذين حافظوا على لهجةٍ انتقادية التخويف فضلاً عن اعتقالهم. فقد صنفت لجنة حماية الصحفيين مصر في المرتبة الثالثة كأسوء بلدان العالم على لائحة الصحفيين المسجونين: وبحلول ديسمبر 2016، لا يزال يقبع في السجون المصرية 25 صحفياً.

فقد كانت القضية الأكثر شهرة، اعتقال والحكم على صحفيّ الجزيرة، بيترغريستي، ومحمد فهمي، وباهر محمد بتهمٍ تتعلق بالإرهاب و”نشر أخبار كاذبة،” في يونيو 2014. وعند اعتقالهم، هيمنت القضية على عناوين الصحف الدولية. أطلق سراح فهمي ومحمد في عام 2015 بموجب عفوٍ رئاسي، في حين رحّل غريستي إلى أستراليا.

ومن الأمثلة الأخرى الدراماتيكية كان سجن المصور الصحفي محمود أبو زيد، المعروف بـ”شوكان.” فقد تم اعتقاله لالتقاطه صوراً أثناء مجزرة رابعة في القاهرة في أغسطس 2013، وهو يقبع في السجن منذ ذلك الوقت. وحتى نهاية 2016 ، لا يزال أبو زيد ينتظر صدور حكمٍ في قضيته ويواجه عقوبة الإعدام. وفي غضون ذلك، تم تشخيص إصابته بالتهاب الكبد الوبائي سي، ويُقال أن صحته في تدهورٍ مستمر.

ولكن، بعد الإهتمام الدولي الذي جذبته “قضية صحفيّ الجزيرة” إلى مصر، لم يلجأ النظام إلى اضطهاد أي صحفي أجنبي. ومع ذلك، من المعروف وجود العديد من حالات منع مراسلين أجانب من الدخول إلى مصر. ففي يونيو 2015، أجبر الصحفي الإسباني ومراسل صحيفة البايس، ريكارد جونزاليس، على مغادرة مصر. وفي مايو 2016، أوقف الصحفي الفرنسي ريمي بيجالجو، وهو مراسل صحيفة لاكروا الفرنسية، في مطار القاهرة ورحّل بالرغم من حيازته جميع الأوراق المطلوبة للعمل. كما ألقي القبض على المذيعة اللبنانية، ليليان داوود، التي تُقدم برنامجاً مصرياً ينتقد حكومة السيسي، وطردت من مصر في يونيو 2016.

علاوةً على ذلك، اندلع صراعٌ بين السلطات المصرية ونقابة الصحفيين المصرية، حيث كانت الأخيرة في واجهة الصراع للحفاظ على مستوىً معين من استقلال الصحافة. ففي مايو 2016، اقتحمت الشرطة نقابة الصحفيين لاعتقال صحفيين اتهما بالتحريض على الاحتجاج ونشر أخبار كاذبة.

رداً على ذلك، أصدرت نقابة الصحفيين بياناً طالبت فيه باستقالة وزير الداخلية، مجدي عبد الغفار. وبعد البيان، وجد رئيس نقابة الصحفيين يحيى قلاش وسكرتير عام النقابة جمال عبد الرحيم وعضو مجلس الإدارة خالد البلشي، أنفسهم يواجهون دعوى قضائية بتهمة إيواء هاربين ونشر أخبار كاذبة.

وفي نوفمبر 2016، أدين أعضاء النقابة البارزين بالسجن لعامين وبغرامة مالية قدرها 10 آلاف جنيه مصري. استأنف الدفاع الحكم في القضية. كما وصف البلشي الحكم بأنه “يعكس الأجواء الحالية.” فقانون الإعلام الجديد يمثل أحدث خطوة اتخذتها السلطات للسيطرة على الإعلام المصري. وفي بيانٍ لها، أعلنت نقابة الصحفيين أن “القانون يمنح السلطات التنفيذية السيطرة على وسائل الإعلام.”

فقد انتقدت النقابة على وجه الخصوص التعديلات على مشروع القانون الذي أقرّ حديثاً، والتي تنص على أن الرئيس يعيّن بشكلٍ مباشر ربع أعضاء مجلس إدارة المؤسسات الرقابية للصحافة والإعلام. وإلى جانب ذلك، تسمح النسخة الجديدة من القانون باحتمالية اعتقال الصحفيين بسبب أعمالهم، أي بمعنى آخر، تأطير واقع الحال منذ سنوات قانونياً.

ويُضيف قانون الإعلام الجديد إلى نصٍ سابق، قانون مكافحة الإرهاب الذي أقرّ عام 2015، والذي سمح بحبس الصحفيين الذين ينشرون أرقاماً تتعلق بالهجمات الإرهابية والتي تناقض الأرقامة الرسمية التي تعلن عنها الدولة.

إن واقع حال حرية الصحافة في مصر قاتم. فقد حدّ ترهيب الصحفيين إلى جانب القوانين الجديدة التي سنّت، بفعالية، من حرية الصحافة إلى مستويات ما قبل الثورة، أو حتى أسوء، بل إن الصحافة الوحيدة المسموح لها بالعمل في مصر هي الصحافة التي تتماشى مع رواية النظام.