الصفحة الرئيسية / مصر / من الماضي الى الحاضر / النزاع حول جزر البحر لا يزال على صفيحٍ ساخن

النزاع حول جزر البحر لا يزال على صفيحٍ ساخن

lawyers-celebrate-for-not handing-the-islands-to-saudi-arabia
محامون يحتفلون بعد أن أبطلت المحكمة الإدارية العليا قرار الحكومة المصرية بتسليم الجزيرتين تيران وصنافير إلى المملكة العربية السعودية، القاهرة، مصر، 16 يناير 2017. Photo Amr Nabil

قبل أن يحاول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نقل ملكية الجزيرتين، تيران وصنافير، للمملكة العربية السعودية في أبريل 2016، فمن المستبعد أن قلةً قليلة في الشرق الأوسط قد خطر لها هذا الامر. ومع ذلك، تعود قصة هذه الجزر إلى عقود، فقد كانت هذه الجزر تحت السيادة المصرية لمئات السنين، وذلك بشكلٍ أساسي لقربها الجغرافي من مصر، مما منحها القدرة على أن تبرز القوة العسكرية- وبخاصة البحرية- في المنطقة، وأن تتحكم في بعض الأحيان بطرق التجارة.

تقع تيران وصنافير عند مدخل مضيق تيران، الذي يربط البحر الأحمر بخليج العقبة. تتمتع كل من تيران، التي تبلغ مساحتها نحو 80 كيلومتراً مربعاً، وصنافير، شرق تيران والتي تبلغ مساحتها 33 كيلومتر مربع، بأهمية جغرافية وسياسية ذلك أن المضيق هو الطريق البحري الوحيد لإسرائيل من خليج العقبة إلى البحر الأحمر. في الواقع، كانت أول مرة تلتفت فيها أنظار العالم إلى هاتين الجزيرتين، بشكلٍ ثانوي سابقاً، عند تأسيس دولة إسرائيل عام 1948. وفي الحرب العالمية الثانية، كانت القوات المصرية المتمركزة على الجزر جزءاً من القوات المخصصة لحماية قناة السويس.

وفي 15 فبراير 1954، قدمت إسرائيل في الاجتماع رقم 659 لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، شكوى ضد مصر لتدخلها في ملاحة السفن إلى ميناء ايلات الاسرائيلي على خليج العقبة. رد ممثل مصر الشكوى، قائلاً أن الجزر تشكل جزءاً لا يتجزأ من الأراضي المصرية، وتقع تحت الإدارة المصرية منذ عام 1906، عندما احتلتهما مصر في محاولةٍ لترسيم الحدود بين مصر والإمبراطورية العثمانية. ومضى بالقول إلى أنّ الاحتلال كان موضع منقاشاتٍ وتبادلٍ لوجهات النظر وحتى الرسائل بين الإمبراطورية العثمانية والحكومة الخديوية في مصر. وفي ذلك الوقت، اعترفت الإمبراطورية العثمانية، التي كانت تسيطر على مصر وإمارة الحجاز (التي أصبحت فيما بعد جزءاً من المملكة العربية السعودية)، بتيران وصنافير باعتبارهما جزءاً أساسياً من مصر.

خريطة لجزيرتي تيران وصنافير. أنقر للتكبير. © Fanack

ومع ذلك، وفقاً لوزارة الخارجية الاسرائيلية، لم تكن الجزيرتان تنتميان لمصر قبل مارس 1949، عندما استولت إسرائيل على المنطقة المحيطة بالقرية الساحلية، أم الرشراش، التي سُميت لاحقاً بإيلات، كجزء من عملية عوبدا. ونتيجةً لذلك، اكتسبت هذه الجزر غير المأهولة بالسكان أهميةً استراتيجية، وبدأت مصر بإقامة المنشآت العسكرية هناك في ديسمبر من عام 1949، حيث أنكر المسؤولون الحكوميون أي نيةٍ للتدخل بالملاحة السلمية. ومع ذلك، أثارت المنشآت العسكرية مخاوف لدى إسرائيل، ذلك أنّ السفن الاسرائيلية المسجلة كانت قد مُنعت آنذاك من العبور عبر قناة السويس، مما أدى إلى قطع البلاد عن جميع طرق التجارة التي تربطها بآسيا وشرق افريقيا. ولعدم تصعيد التوتر في المنطقة المحاصرة بالفعل، وقعّت مصر والمملكة العربية السعودية اتفاقاً وأبلغت محتواه عن طريق مذكرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 28 يناير 1950.

تضمنت المذكرة: “بالقيام بهذا، أرادت مصر ببساطة ضمان حقها (إلى جانب أي حقٍ ممكن للمملكة العربية السعودية) فيما يتعلق بالجزر المذكورة، والتي وفقاً لموقعها الجغرافي لا تبعد أقل من 3 أميال بحرية قبالة الجانب المصري من سيناء وحوالي 4 أميال عن الجانب المقابل من المملكة العربية السعودية، كل هذا من أجل إحباط أي محاولة أو انتهاكٍ محتمل من حقوقها.”

بحلول عام 1956، كان جمال عبد الناصر قد جاء إلى السلطة، في أعقاب الإنقلاب العسكري الذي أطاح بالملك فاروق. ومن بين المشاريع الكبرى الأولى التي شرع عبد الناصر بها، كان تأميم قناة السويس، التي كانت تحت السيطرة البريطانية- الفرنسية منذ إكتمالها عام 1869، والتي كانت أوروبا تعتمد عليها اعتماداً كبيراً كطريق رئيسي للتجارة وذلك بشكلٍ رئيسي لاستيراد النفط من الشرق الأوسط. ورداً على تأميم عبد الناصر للقناة، غزت اسرائيل مصر في أكتوبر من ذلك العام، إذ كانت مدعومةً في وقتٍ لاحق من القوات البريطانية والفرنسية التي احتلت قناة السويس، بما في ذلك جزيرتي تيران وصنافير، فيما عُرف بـ”العدوان الثلاثي.” وتحت ضغوطاتٍ من الإتحاد السوفياتي، والولايات المتحدة الأمريكية، والأمم المتحدة، سحبت اسرائيل وبريطانيا وفرنسا قواتهم، وتم نشر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة على الجزر لمعالجة مخاوف إسرائيل من حرية المرور عبر مضيق تيران.

جاءت المطالبة الرسمية الأولى للسيادة السعودية على الجزر في عام 1957، عندما تم تسليم رسالة خطية من وزير خارجية المملكة العربية السعودية بتاريخ 31 مارس 1957 إلى السفارة الأمريكية في جدة في أبريل. أكدّ البيان الرسمي، الذي تناول الوضع في خليج العقبة، السيادة السعودية على الجزر ووصف خليج العقبة باعتباره مغلقاً أما الملاحة الدولية، بما أنّ المياه عند مدخلها شكلّت “المياه الإقليمية السعودية.” لم يعترض الأمريكيون على ذلك.

وفي مايو 1967، أعلن عبد الناصر مضيق تيران مغلقاً أمام الملاحة الاسرائيلية، مما أدى إلى مواجهة شاملة بين البلدين، وإشراك الأردن وسوريا. وخلال أصبح ما يُعرف بـ”حرب الأيام الستة،” وجه عبد الناصر في خطابٍ علني نداءً إلى قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة للإنسحاب من شبه جزيرة سيناء ومن الجزيرتين، وتأكيد سيادة مصر دون منازع على مضيق تيران. ومع ذلك، انتصرت اسرائيل بالحرب واحتلت الجزر وشبه الجزيرة. ولكن، بعد مرور أكثر من عقدٍ من الزمان، تم التوسط لإتمام إتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر واسرائيل عام 1979، وعدت القاهرة من خلالها باحترام حرية الملاحة في العقبة وإيلات. وفي عام 1982، وكجزءٍ من اتفاق السلام نفسه، أكملت إسرائيل انسحابها من شبه جزيرة سيناء وتيران، وتم نشر قوات أمنية وعسكرية أمريكية على الجزيرة لضمان حرية المرور البحري عبر المضيق.

لم تظهر قضية تيران وصنافير إلى الواجهة مرةً أخرى حتى عام 1990، عندما أصدر الرئيس المصري حسني مبارك، القرار الجمهوري رقم (27)، ورسّم حدود مصر البحرية في كلٍ من البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط. المرسوم، الذي نُشر رسمياً في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، والذي حدد 109 نقاط أساسية والإحداثيات التي يمكن من خلالها قياس المياه الإقليمية المصرية. ومع ذلك، بدلاً من اتباع قواعد القانون الدولي، والتي تشترط أعلى نقطة على الساحل، نص المرسوم على أدنى نقطة. وبالقيام بذلك، تخلت مصر، عن طيب خاطر، عن السيطرة على الجزيرتين للمملكة العربية السعودية.

وبعد عشرين عاماً، في عام 2010، قدمت المملكة العربية السعودية للأمم المتحدة خط الأساس المفترض، من جانبٍ واحد، للبحر الأحمر والخليج، والتي ضمت تيران وصنافير إلى مياهها الإقليمية، والتي منحتها مصر موافقتها في 25 مارس 2010.

بالإضافة إلى ذلك، بعد زيارة الملك سلمان إلى القاهرة في أبريل 2016 للقاء الرئيس السيسي، تم التوقيع على معاهدة لترسيم المياه الإقليمية لكل بلدٍ في البحر الأحمر، حيث اعتبرت الجماهير أن مصر تنقل سيادة تيران وصنافير للسعوديين. صدم إعلان الحكومة أن الجزر تنتمي إلى المملكة العربية السعودية كلاً من البرلمان والشعب، مما أدى إلى احتجاجاتٍ في الشوارع وغضبٍ شعبي. ألقي القبض على نحو 400 شخص وتم سجن العشرات.

ويوم 21 يونيو 2016، وفي تحولٍ غير متوقعٍ للأحداث، رفضت محكمة القضاء الإداري في مصر قرار الحكومة بتحويل الجزر إلى المملكة العربية السعودية. وهذه هي المرة الأولى التي يعارض فيها القضاء السيسي منذ توليه منصبه قبل عامين. إلا أن الحكومة المصرية لم تتراجع، وطلبت من المحكمة الإدارية العليا إلغاء الحكم الذي ألغى اتفاقية ترسيم الحدود لشهر أبريل 2016 بين الرياض والقاهرة.

ومع ذلك، تقدمت مجموعة من المحامين الحقوقين المصريين بقيادة خالد علي، وهو أيضاً مرشحٌ سابقٌ للرئاسة، بدعوى قضائية أمام مجلس الدولة، بحجة أن الرئيس السيسي، ورئيس الوزراء شريف إسماعيل، ورئيس البرلمان علي عبد العال، تنازلوا دون وجه حق عن السيادة المصرية على الجزر. احتجت المجموعة على شرعية الاتفاق بالإشارة إلى المادة رقم (151) من الدستور المصري التي تنص على أن كل الأمور المتعلقة بترسيم حدود مصر يجب أن يعاد النظر فيها من قبل برلمان الدولة، وهي الخطوة التي يبدو أنّ السيسي تجاوزها قبل أن يُسلم الجزر للسعوديين.

وفي 16 يناير 2017، أصدرت المحكمة حكمها النهائي، ورفضت الطعن المقدم من الحكومة، مما أثار الهتافات في قاعة المحكمة بالقاهرة. وحالما أعلن القاضي فشل الحكومة في توفير ما يكفي من الأدلة لإثبات أن الجزر سعودية، عمت الاحتفالات. وقال علي أيوب، أحد المحامين الذين شاركوا في رفع الدعوى لصحيفة الجارديان، “الحكم نهائي ولا يمكن أن يخضع للاستئناف؛ [حتى] البرلمان لا يملك الحق في مناقشة هذا الاتفاق، لأنه أصبح لاغياً وباطلاً بموجب حكمٍ قضائي.”

أصبح الجدل حول الجزيرة مصدراً آخر للتوتر بين مصر والمملكة العربية السعودية، ذلك أن العلاقات بين البلدين تدهورت في السنوات الأخيرة. ومن المتوقع أن تبحث الحكومة المصرية الآن عن وسيلةٍ أخرى لنقل الجزر إلى للمملكة العربية السعودية.