الصفحة الرئيسية / البحرين / من الماضي الى الحاضر / من العصور القديمة إلى إضفاء الطابع المؤسساتي على حكم آل خليفة

من العصور القديمة إلى إضفاء الطابع المؤسساتي على حكم آل خليفة

المحتويات

صعود وهبوط دلمون
الحضارة الهلنستية والساسانيون
دخول الإسلام والقرامطة
الشيعة الاثنا عشرية والجبرويون
البرتغاليون والصفويون
التحالف البريطاني مع آل خليفة
إضفاء الطابع المؤسساتي على حكم آل خليفة

منذ فترة طويلة حدد علماء الآثار البحرين كدولة جزيرة دلمون القديمة، حيث اكتشف ملك أوروك، جلجامش، “زهرة الخلود (الشباب الدائم)”، وفق الملحمة السومرية الشهيرة في الألفية الثانية قبل الميلاد. تصف ملحمة جلجامش، أسطورة بلاد ما بين النهرين القديمة، دلمون كمكان نقي ومقدّس. وقيل إن آبار مياهها العذبة ونباتاتها المورقة كانت جنّة على الأرض، مكان سعادة حيث يمكن للبشر الهالكين النجاة من الموت والمرض. ووفق إحدى أساطير الخلق السومرية، في حديقة هذه الجزيرة أخصب إنكي، الإله العظيم للحكمة والمياه العذبة الجوفية، الإلهة نينخورساج.

في الماضي، حدد بعض العلماء الغربيين البحرين/دلمون على أنها جنة عدن التوراتية. وكان برهانهم الشجرة الوحيدة القديمة التي بقيت بشكل من الأشكال على قيد الحياة في السهل الصحراوي في وسط الجزيرة الرئيسية. وقد ساعد اسمها المحلي “شجرة الحياة” على دعم تخمين النصوص المقدسة.

أما العلماء المعاصرون فيرفضون هذه التكهنات. في الأزمنة القديمة، من المحتمل أن اسم “ديلمون” كان يعني مجرد “الأراضي البعيدة نحو الجنوب”. وربما في وقت لاحق استخدمت هذه اللفظة للتسمية التي أطلقها سكان بلاد ما بين النهرين على “الإحساء”، في المملكة العربية السعودية في الوقت الحاضر. كانت هذه المجموعة من الواحات على الدوام أقرب إلى البحرين ثقافياً وجيولوجياً، وكان يفترض أنها كانت يوماً ما جزءً من “إمبراطورية دلمون التجارية الكبرى”. وبالمثل، يكاد يكون من المؤكد أن جزيرة فيلكا، قبالة ساحل الكويت، وقعت تحت تأثير جزيرة دلمون خلال جزء من الألف الثاني قبل الميلاد، ومن المحتمل حينها أنها اقتبست اسم جزيرة دلمون اللامع لفترة ما.

صعود وهبوط دلمون

كان الأرخبيل الحالي مأهولاً بالسكان منذ الألفية السابعة قبل الميلاد على الأقل، على الأرجح عندما كانت معظم جزره لا تزال متصلة بالجزيرة العربية. وفي أواخر الألفية الخامسة وأوائل الألفية الرابعة قبل الميلاد – بعد انفصال البحرين عن شبه الجزيرة العربية – كانت الجزر الرئيسية مأهولة من قبل مجتمعات صغيرة كانت تعمل في التجارة، ربما عن طريق وسطاء، مع مستوطنات في جنوب بلاد ما بين النهرين. خلال تلك الحقبة، تحوّل مناخ منطقة الخليج تدريجياً إلى مناخ أكثر جفافاَ، مما جعل جزر البحرين، ذات ينابيع المياه العذبة وبساتين النخيل واسعة النطاق، تتميز عن المنطقة المحيطة بها. لذا يمكن إيجاد أصل أسطورة جنة دلمون في القصص الأقدم بكثير والتي تذكر خضرة هذه الجزر. ويمكن أن تكون هذه الروايات قد انتقلت عن طريق التجار الذين استخدموا الطرق الساحلية بين مستوطنات بلاد ما بين النهرين الجنوبية وأرخبيل البحرين.

يبدو أن تجارة سكان الجزر مع بلاد ما بين النهرين الجنوبية قد توقفت في نهاية الألف الرابع قبل الميلاد. حدث هذا عندما ذكرت “دلمون” الغامضة لأول مرة في سجلات بلاد ما بين النهرين كمصدر للنحاس. إلا أن الأدلة الأثرية تشير إلى أن البحرين كانت مأهولة منذ حوالي 3200 عام قبل الميلاد من قبل مجتمعات صغيرة تعتمد على الزراعة والصيد. بدأت المزيد من المستوطنات الكبيرة بالظهور فقط منذ عام 2500 قبل الميلاد على الساحل الشمالي الغربي للجزيرة الرئيسية. ومنذ ذلك الحين، يبدو أن البحرين كانت قد أسست نفسها كمخزن إقليمي لبضائع مثل الأخشاب والتمور واللؤلؤ. وبسبب موقعها الملائم وينابيع مياهها العذبة، ربما أصبحت المركز التجاري لما دعاه علماء الآثار بـ “إمبراطورية دلمون التجارية الكبرى”.

الحضارة الهلنستية والساسانيون

الملك المقدوني الاسكندر الأكبر (356- 323 قبل الميلاد) كان أول الغزاة الأوروبيين الذين وصلوا إلى مياه الخليج الفارسي. بعد أن هزم الاسكندر الأخمينيين عام 331 قبل الميلاد، أرسل عدة بعثات لاستكشاف منطقة الخليج. عام 323 قبل الميلاد، العام الذي توفي فيه الاسكندر، وصلت اثنتان من سفنه إلى ساحل جزيرة البحرين. أطلق الإغريق على الأرخبيل اسم “تايلوس”. ولا يزال هناك بعض الآثار الهلنستية في الجزء الشمالي الغربي من الجزيرة، مشيرة إلى إضافة طبقة أخرى من الثقافة الإغريقية إلى المزيج المعقد لثقافات الحضارات السومرية والعربية والفارسية وغيرها الموجودة في الجزيرة. استمرت عملية تهلين البحرين (جعلها هلنستية) في عهد خلفاء الاسكندر والملوك السلوقيين وخلفائهم البارثيين الفرس. سحق البارثيون جيوش السلوقيين في النصف الثاني من القرن الثاني قبل الميلاد، وقدموا أنفسهم على أنهم الورثة الشرعيين للاسكندر، ناقلين شعلة الثقافة الهلنستية الشرقية.

الساسانيون

احتفظ أرخبيل تايلوس باسمه الإغريقي في عهد البارثيين، والذي كان يستخدم إلى جانب التسمية الفارسية “مشماهيج”. يبدو أن تايلوس/مشماهيج كان مزدهراً. أشار المؤرخ الروماني بلينيوس الأكبر، من القرن الأول الميلادي، إلى أن هذه الجزر اشتهرت بجودة لآلئها. وفي القرن الرابع، تم سحق البارثيين من قبل سلالة إيرانية أخرى، الساسانيين. كان الساسانيون مهتمين في التجارة بالمقام الأول، فسيطروا على الساحل الجنوبي للخليج عن طريق وكلاء لهم بين القبائل العربية المحلية. يفسر صمت الساسانيين الزرادشتيين عن الممارسة المباشرة للسلطة المحلية سبب ازدهار المجتمعات المسيحية النسطورية في شرق الجزيرة العربية، في حين تعرض إخوتهم في الدين للاضطهاد في بلاد فارس.


يبدو أن معظم سكان تايلوس كانوا من المسيحيين في أوائل القرن الخامس الميلادي، بينما من المحتمل أن الآخرين استمروا في عبادة الآلهة المحلية القديمة. كانت المحرق والمنامة الحاليتان، المعروفتان سابقاً بسماهيج وتلوون على التوالي، كراسي الأساقفة النساطرة حتى عام 835 م على الأقل. وكان هناك دير للنساطرة في سماهيج، ويبدو أن الحاكم العربي لتايلوس كان مسيحياً. وأحد حكام تايلوس المسيحيين اعتنق الإسلام، وفق التقليد الإسلامي، بعد أن دعاه النبي محمد للانضمام إلى أمة الإسلام في أوائل القرن السابع. وانغمرت المسيحية في تايلوس بالإسلام بشكل تدريجي. من المحتمل أن المسيحية النسطورية بقيت الديانة السائدة في الجزر لمدة قرن أو أكثر. واليوم هناك مجموعة صغيرة من السكان الأصليين المسيحيين في البحرين.

دخول الإسلام


لا يعرف سوى القليل عن التاريخ الإسلامي المبكر في البحرين. من المحتمل أن تكون سلالة بني أمية العربية في دمشق (661-750) قد مارست رقابة غير مباشرة فقط على ما كان يدعى آنذاك بإقليم البحرين. غطى أقليم بني أمية هذا، والذي أعطى دولة البحرين الحالية اسمها، كامل ساحل الخليج الجنوبي، بما في ذلك جزره من جنوب العراق إلى مضيق هرمز. ازدهرت المنطقة بشكل خاص في أوائل عصر العباسيين، السلالة العربية المسلمة التي خلفت الأمويين عام 750 ونقلوا عاصمة الإمبراطورية إلى بغداد التي بنيت لهذا الغرض في وسط العراق. وبالأكثر، ونتيجة للتوجه الشرقي للعباسيين، الفرس جزئياً، استعادت الطرق التجارية القديمة من العراق إلى شبه القارة الهندية أهميتها. لم يكن بوسع سكان أرخبيل البحرين، والذي كان معروفاً بالأوال آنذاك، سوى الاستفادة من هذا الانتعاش التجاري.

حكم القرامطة

تعطلت التجارة مرة أخرى في منطقة الخليج بعد الاضطرابات الاجتماعية التي اندلعت على نطاق واسع في جنوب العراق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. قام العبيد السود في المزارع العراقية بثورات عنيفة. وأعربت جماعات المعارضة من السكان الأصليين عن تحديهم للحكام السنّة الأصوليين في بغداد من خلال جماعات الهراطقة، ومن بينهم القرامطة، وهم فرع اسماعيلي شيعي ادعى أتباعه تمسكهم بتعاليم حمدان بن قرمط شبه الأسطوري في العراق. وفي تسعينات القرن التاسع، أسس سعيد الجنابي، مهدي طائفة القرامطة في الأوال، دولة مستقلة تضم الأوال وأجزاء من أرض الجزيرة العربية الشرقية.

تميز حكم القرامطة بغياب عام للضرائب ونظام سخي للرعاية الاجتماعية. وبالتالي، يمكن اعتبار دولة القرامطة “دولة الرفاهية الاجتماعية” الرائدة في منطقة الخليج التي تطورت في الحقبة النفطية الحالية: حيث يعادل اعتمادها الاجتماعي على الطبقة الدنيا المسحوقة، معظمها من العبيد الأفارقة السود، الاعتماد على العمالة الأجنبية المعاصرة. حتى أن القرامطة استعبدوا إخوانهم المسلمين الذين رفضوا العقيدة القرمطية. وفي القرن العاشر، اجتاحوا شرق شبه الجزيرة العربية وهاجموا مكة المكرمة وأزالوا الحجر الأسود المقدّس في الكعبة واستعبدوا الكثير من سكانها. وفي النهاية، اندحرت دولة القرامطة عام 1077 جراء غارات القبائل البدوية السنيّة الموالية للسلاجقة الأتراك في الأناضول، مع أن بعض القبائل الإقليمية بقيت متمسكة بالعقائد القرمطية حتى القرن الخامس عشر على الأقل.

الاسلام الدولة الأموية البحرين
الفتوحات الأموية
قطعة نقود ذهبية نادرة جداً صكها قرامطة البحرين عندما هاجموا فلسطين المصدر: Coinarchives.com
قطعة نقود ذهبية نادرة جداً صكها قرامطة البحرين عندما هاجموا فلسطين المصدر: Coinarchives.com

 

دينار ذهبي نادر للغاية يميز نهاية احتلال القرامطة لفلسطين من قبل الفاطميين المصدر: Coinarchives.com
دينار ذهبي نادر للغاية يميز نهاية احتلال القرامطة لفلسطين من قبل الفاطميين المصدر: Coinarchives.com

الشيعة الاثنا عشرية


خلال العصور الوسطى، بدّل العديد من البحرينيين عقيدتهم الاسماعيلية الأصولية بفرع الاثني عشرية من المذهب الشيعي الأكثر مهادنة، وهو التوجه الأقل استفزازاً للقوى السنية المتشددة في ذلك الوقت. وخلال القرن الثالث عشر، أصبحت البحرين مركزاً فكرياً لعلم التوحيد الاثني عشري، مع أنه من المحتمل أن معظم سكان الجزيرة كانوا لا يزالون اسماعيليين. وفي ضواحي المنامة الحديثة، يمكن للمرء زيارة قبر ومسجد ميثم بن علي البحراني، رجل دين اثني عشري شهير عاش ودرس في البحرين حتى وفاته عام 1280.

بعد سقوط القرامطة، بقيت المنطقة غير مستقرة من الناحية السياسية. عادت السلطة المحلية إلى بني جروان، عندما احتلت سلالة الجراونة البحرين والقطيف والإحساء الحالية عام 1305- 1306. قام الحكام الجراونة الاسماعيليون بتعيين الأئمة الاثني عشريين في مراكز إدارية وقانونية حيوية. وإلى جانب دخلهم “الرسمي”، اكتسب رجال الدين هؤلاء ثروة وسلطة اجتماعية كبيرة من مزارع النخيل الواسعة التي كانوا يسيطرون عليها ومن تمويل تجارة اللؤلؤ. عام 1330، هُزم بنو جروان/الجراونة على يد جيوش قطب الدين تهمتن من مملكة هرمز، واضطروا إلى قبول ملوك السنّة أسياداً عليهم، ولكن رجال الدين الاثني عشريين احتفظوا بمراكزهم، وبقيت البحرين مركزاً فكرياً هاماً لمذهب الاثني عشرية الشيعي.

البحرين مسجد
مسجد ميثم بن علي البحريني

الجبريون

حوالي عام 1460، تم سحق بني جروان/الجراونة على يد سلالة الجبريين البدوية السنيّة من نجد في وسط شبه الجزيرة العربية. رفض الحكام الجبريون الجدد مراراً الاعتراف بملوك هرمز، مما أدى إلى اشتباكات معهم. كما قام الجبريون بتعيين القضاة المالكيين السنّة في مناطقهم وأجبروا رجال الدين الاثني عشريين على اعتناق المذهب السنّي. وفي النهاية، فشل الجبريون في اجتثاث الشيعة من البحرين. وخلال فترة حكمهم التي استمرت سبعين عاماً، تمسك عامة الناس – الفلاحون وصيادو اللؤلؤ والنساجون – بعقيدتهم تحت الاضطهاد. وبالمثل، استمر بعض رجال الدين ذوي مصادر الدخل المستقل في دراسة وتعليم علم التوحيد الاثني عشري الشيعي.

البحرين نجد
حركة الجبريوون في نجد

البرتغاليون والصفويون


في أواخر العصور الوسطى، ازدهرت مملكة هرمز والأقاليم التابعة لها في تجارة التوابل من آسيا إلى الدول المسيحية الأوروبية الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، ولكن الأنظمة السياسية الأوروبية الصاعدة في أوائل عصر النهضة لم تعد تقنع بالبضائع الفاخرة التي تصلها عن طريق وسطاء إيطاليين وعرب ويهود. وبدءً من البحّار البرتغالي فاسكو دا جاما عام 1498، أبحر العديد من المستكشفين الأوروبيين والتجار والجنود (كانوا يعملون معاً في الأغلب) بحثاً عن المغامرة والربح. وكان البرتغاليون أول الأوروبيين الذين بنوا شبكة من المراكز التجارية والمعاقل العسكرية في جنوب آسيا والشرق الأقصى. ومن قاعدتهم في غوا، سرعان ما تحوّل انتباههم إلى الخليج. فاستولوا على هرمز عام 1515 والبحرين عام 1521، والتي قاموا بتحصينها جزئياً وحكمها بشكل غير مباشر من خلال حكام هرمز.

بنى البرتغاليون جزءً من حصن البحرين Photo Shutterstock / اضغط للتكبير
بنى البرتغاليون جزءً من حصن البحرين Photo Shutterstock

الحكم البرتغالي

تحت الحكم البرتغالي-الهرمزي، عانى شعب البحرين/الأوال من الناحية الاقتصادية؛ ومنذ ذلك الحين تقريباً، أصبح اسم كامل الأرخبيل “البحرين”، بينما “الأوال” اسم الجزيرة الرئيسية فيه. فرض البرتغاليون ضريبة ورسوماً جمركية مرتفعة، وحاولوا – دون نجاح يذكر – تحويل تجارة التوابل من الخليج إلى طريقهم البحري حول أفريقيا. كما استولوا على تجارة اللؤلؤ المربحة للبحرين مع الهند عن طريق استخدام سفنهم وتجارهم، وبالتالي الالتفاف على التجار المحليين. غير أن البرتغاليين طردوا من البحرين من قبل الصفويين الشيعة الاثني عشريين عام 1602. وفي ظل الحكم الصفوي، تم إحياء المؤسسات الدينية الشيعية الاثني عشرية. حتى أن الصفويين اضطهدوا السنّة في مناطقهم. ونتيجة لذلك، ترك عدد كبير من السنّة المحليين الجزيرة أو تحولوا إلى المذهب الشيعي في بعض الحالات.

حكم الصفويون حتى عام 1717، عندما طُردوا من الجزر من قبل العمانيين الغزاة. وهكذا بدأت فترة من الاضطراب السياسي والتآمر والغزو والتدمير. في يومياته، سجّل المستكشف الألماني Carsten Niebuhr، الذي زار البحرين عام 1763 عندما عادت مؤقتاً إلى أيدي الفرس، أنه من أصل 360 بلدة وقرية أصلية في الجزر، فقط 60 منها لا تزال مأهولة بالسكان. ومن العنف والفوضى السياسية في القرن الثامن عشر، ظهرت قوتان غير متكافئتين: آل خليفة والبريطانيون. ومعاً، صاغوا معظم تاريخ البحرين الحديث.

التحالف البريطاني مع آل خليفة

كان أسلاف الأسرة الحاكمة الحالية في البحرين، آل خليفة، من بين القبائل البدوية السنيّة المعروفة بشكل جماعي باسم بني عتبة/العتوب، والذين هاجروا من وسط الجزيرة العربية إلى الكويت في أوائل القرن الثامن عشر. عام 1766، كان آل خليفة من بين مجموعة العتوب الذين أبحروا من الكويت إلى شبه جزيرة قطر، واستقروا على ساحلها الشمالي الغربي. كان هذا الموقع ملائماً لأرصفة البحرين الغنية باللؤلؤ، حيث كان لقبائل العتوب مصالح تجارية بينما كانوا يقيمون في الكويت. عام 1782، انتقل أفراد قبائل العتوب إلى جزر البحرين – التي كانت آنذاك تحت سيطرة الفرس من خلال الحاكم العماني – مما أثار محاولة فاشلة للفرس-العمانيين بطردهم من المنطقة عام 1783. وفي أعقاب انتصارهم المفاجئ، استقر العتوب في جزر البحرين ذات الأغلبية الشيعية الساحقة.

نتيجة انتصار العتوب على الفرس، حققت قبيلة آل خليفة سيادة سياسية في الأرخبيل. نجح مؤسس السلالة المالكة الحالية، أحمد بن خليفة (المعروف باسم الفاتح)، والذي حكم حتى عام 1794، في إحباط محاولات الفرس والعمانيين في استعادة سلطتهم. إلا أن ابني أحمد المشتركين في الحكم، سلمان وعبد الله، كانوا أقل نجاحاً، وأصبحوا تابعين بشكل مؤقت لآل سعود في نجد وحاكم عمان على التوالي. وعند وفاة سلمان عام 1825، انقسمت الأسرة الحاكمة إلى فرعين متنافسين. وكانت العشيرتان المتنافستان، مقر الأولى في المنامة والثانية في قطر، مدعومتين بحلفاء أجانب. ومن وقت لآخر، اجتاح العنف الجزر، وتم استهداف أفراد مجتمع التجار الأغنياء المحليين الذين كانوا تحت حماية “الراج البريطاني” في الهند.


كانت شركة الهند الشرقية البريطانية متواجدة في منطقة الخليج منذ أوائل القرن السابع عشر. عام 1816، زار البحرين ممثل الشركة في بلاد فارس – ما يسمى بالمقيم، في بوشهر – بناء على دعوة من الحاكم الشريك عبد الله. فوقعا اتفاق صداقة يسمح بإنشاء وكالة للشركة في البحرين، بالإضافة إلى تشجيع التجارة السلمية المتبادلة. وسرعان ما تم تعيين تاجر هندي كأول وكيل “محلي” للشركة. يميّز هذا التعيين بداية النفوذ السياسي البريطاني الهندي في شؤون البحرين الداخلية والخارجية. أصبح المقيم السياسي للحكومة الهندية، الذي حل محل شركة الهند الشرقية المحلولة عام 1858، صانع الملوك في البحرين من مقر إقامته في بوشهر.

إضفاء الطابع المؤسساتي على حكم آل خليفة

عام 1861، قام المقيم السياسي بتعيين عيسى بن علي آل خليفة (عيسى الكبير) ذي الإحدى والعشرين سنة من العمر حاكماً جديداً للبحرين، مما أنهى عقوداً من الصراع الداخلي على نحو فعّال. حكم الشيخ عيسى بسلام تحت إشراف بريطاني حتى عام 1923، عندما استبدله البريطانيون بابنه البكر حمد الأكثر ليونة. في تلك الأثناء، بلغت السلطة البريطانية-الهندية أوجها في الخليج – وخاصة في البحرين. عام 1900، تم استبدال الوكلاء “المحليين” في مشيخات الخليج بوكلاء بريطانيين من الخدمة السياسية الهندية، والذين كانوا يميلون لحكم المشيخات كإقطاعيات خاصة بهم. وعندما اكتشف النفط في جبل دخان عام 1932، خصص البريطانيون جزءً من العائدات لبناء الإدارة الاستعمارية التي تم بناء دولة البحرين الحديثة عليها. ومن خلال إنشاء قوة شرطة قوية ونفي المعارضين السياسيين إلى الهند، وضعت بريطانيا مخطط نظام سياسي قمعي اعتمد عليه حكام آل خليفة بعد الاستقلال.

تشارلز بلغرايف

كان “المستشار” البريطاني تشارلز د. بلغرايف الحاكم الفعلي للبحرين لمدة حوالي 30 عاماً. وكانت الحكومة البريطانية في الهند قد عيّنته عام 1962″سكرتيراً شخصياً” لحمد بن عيسى آل خليفة بهدف زيادة تعزيز السيطرة البريطانية على الشؤون الداخلية للبحرين. وضع بلغرايف أسس إدارة الدولة الحديثة والبنية التحتية المادية والجهاز الأمني. عام 1957، اضطر إلى مغادرة البحرين بعد أن أصبح محور مظاهرات القومية العربية المعادية لبريطانيا.

خلف سلمان بن حمد والده عام 1942. ومن المحتمل أنه أدرك من النهاية المفاجئة للراج البريطاني الهندي عام 1947 عدم الاعتماد أكثر على الدعم البريطاني لحكم أسرته. عام 1948، وقّع سلمان اتفاقاً مع المملكة العربية السعودية اعترافاً منه بالقوة الصاعدة لجارته الطموحة. وعند وفاة سلمان عام 1961، دعمت السعودية حكومة خلفه، عيسى بن سلمان آل خليفة، عسكرياً ومالياً. وعندما أعلنت بريطانيا انسحابها السياسي من منطقة “شرق السويس” عام 1968، لم يقم عيسى بن سلمان بدمج البحرين في أساسات القوة الإقليمية فحسب، وإنما أيضاً ورث دولة حديثة ذات هوية مميزة. وبالتالي، لم يكن هناك حاجة ملحة لانضمام البحرين إلى مشيخات الخليج الأدنى فيما أصبح يدعى لاحقاً بالإمارات العربية المتحدة. وفي 11 آب/أغسطس عام 1971، أصبحت البحرين إمارة مستقلة.

الشيخ عيسى بن علي آل خليفة في منزله في المحرق عام 1911 Photo Flickr / اضغط للتكبير
الشيخ عيسى بن علي آل خليفة في منزله في المحرق عام 1911 Photo Flickr / اضغط للتكبير
الأمير عيسى بن سلمان آل خليفة وتشارلز د. بلغرايف
الأمير عيسى بن سلمان آل خليفة وتشارلز د. بلغرايف