الصفحة الرئيسية / الجزائر / السكان

السكان

الجوائر عام الجزائرالسكان - 2011 / Photo Shutterstock
الجزائر / Photo Shutterstock

المحتويات

المناطق الماهولة
التركيبة العرقية والدينية
الدين
الأقليات
البنية الاجتماعية والاقتصادية
توزيع الدخل والفقر

المقدمة

كان عدد سكان الجزائر عند الاستقلال تسعة ملايين نسمة تقريباً. فرّ حوالي مليون مستعمر أوروبي (الأقدام السوداء) من البلاد. وبعد 50 عاماً، وصل عدد السكان إلى 37 مليون نسمة. كان معدل نمو السكان السنوي مرتفعاً (3%) في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. كما نتج عن إنشاء وتحسين المرافق الطبية والاجتماعية تراجع معدل الوفيات بشكل كبير، في حين بقي معدل المواليد مرتفعاً خلال العقدين الأولين من الاستقلال. أدت هذه الجوانب الديموغرافية إلى “طفرة الشباب” في الثمانينيات. ربما شكّل ذلك، إلى جانب القيود الاقتصادية، عوامل أدت إلى اضطرابات اجتماعية برزت في ذلك الوقت.

في العقود الأخيرة، تراجع معدل المواليد ليصل إلى أقل من 1,2% مع حلول عام 2010. تزامن تراجع النمو السكاني هذا مع ظهور الأسر الأصغر حجماً. وكان العامل الهام وراء هذا التطور تحسين مستويات التعليم عند المرأة. كما يعتبر التعليم، رغم عدم استخدامه بالشكل المناسب، عاملاً أساسياً في اقتصاد الجزائر. وفق صندوق النقد الدولي، تراجعت نسبة البطالة من 30% عام 1999 إلى أقل من 10% عام 2013، غير أن عدد الجزائريين دون عمل مناسب بقي كبيراً، خاصة الذين لا تتجاوز أعمارهم 24 عاماً. وينطبق ذلك حتى في فترات النمو الاقتصادي، ويشمل الحائزين على شهادات في التعليم العالي.

نظراً لمساحة البلاد الواسعة، تعد الكثافة السكانية الإجمالية متدنية: 16 شخص/كم2. لكن أدى تركز السكان في الشمال (20% فقط من إجمالي عدد السكان) إلى اكتظاظ السكان ومشاكل السكن والنقل الناتجة عن ذلك. تزامن ذلك مع انتشار ظاهرة التحضر بشكل كبير. يعيش معظم الجزائريين اليوم في المدن، واكتسبوا امتيازات اجتماعية واقتصادية وثقافية. وعلى غرار العديد من الدول التي أصبحت دولاً صناعية مؤخراً، تباطأ التطور الاقتصادي في المناطق الريفية بسبب تسارع الفرص والتسهيلات في المراكز الاقتصادية والثقافية. ونتيجة لذلك، استمرت حركة الهجرة من المناطق الريفية إلى المدن. لم يستقر النازحون فقط في ضواحي العاصمة والمدن الرئيسية الأخرى في الشمال، وإنما أيضاً في المراكز الحضرية الجديدة في المناطق المعزولة.

المناطق المأهولة

يعيش معظم السكان في المناطق الحضرية الشمالية، حيث المدن الرئيسية: الجزائر (العاصمة) ووهران وقسنطينة. العاصمة الجزائر هي المدينة الكبرى من حيث عدد السكان: 3 ملايين نسمة؛ ووهران الواقعة في الشمال الغربي: 650,000 نسمة؛ وقسنطينة: 500,000 نسمة تقريباً. ولا تزال هذه المدن حتى الآن محافظة على أحيائها القديمة التي تعود إلى عهود الإمبراطوريات العربية ومن ثم العثمانية. والمثال الأكثر شهرة على ذلك هو “قصبة الجزائر” التي بنيت على هضبة مطلة على الواجهة البحرية. وعلى الرغم من أن منظمة اليونسكو صنفت قصبة الجزائر ضمن قائمة التراث العالمي، إلا أنه تم هدم الكثير من بيوتها لسنوات. المنطقة مكتظة بالسكان، وترميمها مكلف.

بنى الفرنسيون أجزاء كبيرة من مراكز المدينة، ويهيمن عليها اللونان الأزرق والأبيض. كان عدد سكان المدن الرئيسية في فترة الاستعمار حوالي ثلث ما هو عليه في الوقت الراهن. وساهم توسيع السكن إلى ضواحي المدينة في التخفيف من هذا النقص جزئياً. ولسنوات بعد حرب الاستقلال، بقي عدد كبير من المنازل في حالة سيئة. ومن بين المشاكل الاجتماعية التي أدت إلى استياء السكان خلال فترات عديدة: نقص أماكن السكن التي طالما عانى منها المواطنون الجزائريون العاديون. ومن تأثيراتها الاجتماعية: الصعوبة التي يواجهها الشباب في الزواج والعيش في منازل خاصة بهم.

بفضل ارتفاع إيرادات النفط والغاز خلال العقد الماضي، استثمرت الحكومة بشكل كبير في قطاع الإسكان. وتم إطلاق برنامج طموح لبناء مليون وحدة سكنية. تمت الاستعانة بشركات صينية بشكل خاص للإشراف على بناء مجمعات سكنية جديدة في ضواحي المدن الرئيسية. تتمتع الشركات الصينية بخبرة واسعة في مجال بناء مشاريع واسعة النطاق خلال فترة قصيرة، والتي لا يمكن للعمال الجزائريين تنفيذها.

لطالما كان عدد السكان في منطقتي القبائل وجبال أوراس الجبليتين كبيراً. وبقيت القرى الواقعة على قمم التلال قائمة، على الرغم من نزوح عدد كبير من سكانها إلى المدن الكبرى وهجرة البعض إلى فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية. وساهمت التحويلات المالية التي كان يرسلها هؤلاء إلى ذويهم الذين بقوا في الجزائر في تقديم الدعم الاقتصادي لهم ودفع تكاليف بناء المنازل الجديدة. كما شهد إقليم الهضاب العليا، موطن الرعاة، تحضراً كبيراً. ونزح الكثيرون إلى مدن أصغر حققت نمواً سريعاً في العقود الماضية. وساهم تحسين الطرقات وشبكات الخطوط الحديدية في السهول في تعزيز نمط التحضر هذا، كما قد يكون السبب في تباطؤ حركة النزوح إلى المدن الساحلية الشمالية.

الجزائر السكان
السكان في اكبر عشر مدن في الجزائر
الجزائر السكان
التوزع السكاني على المحافظات الجزائرية

يتركز سكان الصحراء الكبرى في قرى الواحات، خاصة مع اختفاء نمط الحياة البدوي والاندماج في الاقتصاد الحديث. ومثال على هذا التطور هو التوسع السريع لمدينة تمنراست الواقعة في أقصى جنوب البلاد عند مفترق طرق الصحراء الكبرى، والتي يقطنها حالياً أكثر من 100,000 نسمة. ومن بين الواحات المهمة الأخرى: غرداية والوادي وتيميمون وجانِت.

التركيبة العرقية والدينية

يعتبر معظم الجزائريين أنفسهم عرباً ويتحدثون اللهجة الجزائرية العامية العربية. والأقلية الكبيرة (25-30%) يتحدثون اللغة البربرية ويتميزون بإتباع التقاليد الثقافية التي كانت سائدةً قبل مجيء العرب. ينتشر البربر في مناطق عديدة من البلاد ويتحدثون لهجات مختلفة. يعتنق معظم الجزائريين تقريباً الدين الإسلامي، وهناك أقلية صغيرة من المسيحيين. منذ عام 1962، اختار بعض المستوطنين الأوروبيين البقاء في الجزائر، على غرار أقلية من اليهود. وبالقرب من مدينة تندوف الجنوبية الغربية، يعيش حوالي 160,000 نسمة من الصحراء الغربية في مخيمات للاجئين. أدى استمرار احتلال المغرب لهذه المستعمرة الإسبانية السابقة إلى جعل اللاجئين سكاناً شبه دائمين في الجزائر، الأمر الذي دعم مطالبتهم بالاستقلال. وفي السنوات الأخيرة، استقر أفراد من مختلف الدول الإفريقية الغربية في الجزائر، وذلك نتيجة محاولاتهم (الفاشلة) في الهجرة إلى أوروبا.

الهوية العربية

تعود أهمية اللغة والثقافة العربية إلى موجات الهجرة العربية من الشرق في الفترة الممتدة بين القرنين السابع والعاشر. وأدت فتوحات الجيوش القادمة من شبه الجزيرة العربية لنشر الإسلام إلى ارتباط وثيق بالتقاليد والأعراف السائدة في منطقة الشرق الأوسط. ومع اعتناق الدين الإسلامي، اعتمد عدد كبير من البربر اللغة والثقافة العربية أيضاً. كما أن العربية هي أيضاً لغة القرآن، وبالتالي كان لها مكانة خاصة. وكما هو عليه الحال في الدول العربية الأخرى، فإن اللغة العربية هي اللغة الرسمية المعتمدة في الحكومة ونظام التعليم والاتصالات الدولية والكتابة.

خلال فترة الاستعمار، كان السكان الأصليون يعتبرون “مسلمين ضمن فرنسا”. وقد حدّ هذا التعريف من حقوقهم. لهذه الأسباب، اختار معظم قادة حركة الاستقلال التركيز على الهوية العربية الإسلامية. وبهذه الطريقة، عمدوا إلى وضع حدود فاصلة بين العرب من جهة والمستعمرين الفرنسيين واليهود من جهة أخرى. كما كان للتشديد على الهوية العربية أبعاد إقليمية، مما ربط صراع الحركة القومية الجزائرية بالتيار القومي العربي. وهذه كانت إيديولوجية زعماء مثل الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي تولى السلطة عام 1952 وقاوم الاحتلال الغربي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

مسجد قسنطينة، هندسة معمارية عربية تقليديةبعد عام 1962، حاول قادة الجزائر المستقلة استخدام الهوية العربية كقاعدة للوحدة الوطنية في بلد لم يكن له وجود في السابق بالشكل الذي هو عليه اليوم ويعاني من اختلافات إقليمية. ومن وجهة النظر هذه، يمكن لسياسة “التعريب” رأب الصدع الكبير الناجم عن الانتماءات الإقليمية والطبقية. وكان من المتوقع أن تضع هذه السياسات حداً لهيمنة اللغة والثقافة الفرنسية، لكن لأن عدد الجزائريين الذين تلقوا تعليماً باللغة العربية خلال فترات الاستعمار كان قليلاً جداً، لم يكن هناك سوى عدد قليل من المعلمين المؤهلين لتلقين هذه اللغة في المدارس.
لطالما شكلت مسألة توحيد جميع الجزائريين على أساس تجانس اللغة معضلة. في الدرجة الأولى، اللهجة الجزائرية تختلف إلى حد كبير عن اللغة العربية التقليدية للقرآن واللغة العربية الفصحى المعاصرة. وينعكس تأثير ذلك في شعور الكثيرين، خاصة ممن يتمتعون بمستويات تعليمية أدنى ويعرّفون عن أنفسهم بأنهم عرب، بالحرمان نظراً إلى تشديد الدولة على لغة كانت تستخدم بشكل رئيسي في الكتابات والخطابات الرسمية.

واجهت سياسات التعريب مشاكل كبيرة على صعيد نظام التعليم. فقد ثبت صعوبة تحويل المنهاج بأكمله إلى اللغة العربية الفصحى وعكس تأثير اللغة الفرنسية كلغة تعليمية. فالعديد من الصحف والمنشورات الأخرى تصدر بالفرنسية، مع أن معظمها يستخدم اللغة العربية.

البربر

سكن البربر الأراضي التي تعرف اليوم بالجزائر قبل العرب بوقت طويل. يطلق البربر على أنفسهم أسم الأمازيغ (ربما تعني “الرجال الأحرار”). ويرجح أن اللغة البربرية أو الأمازيغية نشأت في منطقة الشرق الأوسط، على غرار اللغة العربية. تتألف جماعات الأمازيغ من سكان منطقة القبائل وجبال الأوراس وغيرها من المناطق في الشمال، بالإضافة إلى الطوارق في الصحراء الكبرى والأقلية الدينية في وادي مزاب. تتحدث هذه المجموعات لهجات أمازيغية مختلفة، والتي لم تكن سوى لغة محكية حتى وقت قريب. وفي الأزمنة الحديثة، أصبحت مكتوبة بأحرف عربية ولاتينية وأبجدية منفصلة يرجح أنها مشتقة من كتابات الطوارق.

كما كان للهوية واللغة والثقافة البربرية جانب سياسي هام. يعود أصل عدد كبير من زعماء حركة الاستقلال إلى منطقة القبائل التي يتحدث سكانها اللغة البربرية. فطالب البعض بالاعتراف بكافة التقاليد الثقافية المختلفة في المجتمع الجزائري. في المقابل، أدت سياسات التعريب بعد عام 1962 إلى إهمال اللغة والثقافة البربرية، إن لم يكن قمعها بشكل صريح. وأدت محاولات النظام لإنهاء السجال السياسي إلى تسييس المسائل “الثقافية”. وفي أوائل الثمانينيات، بدأ تأثير الأسلمة يتضح، وبرزت حركة للاعتراف بالهوية البربرية. وأصبح تأثير هذه الأخيرة واضحاً في ما يعرف بـ “الربيع الأمازيغي” عام 1980، حيث ظهرت أعمال شغب إثر قيام الحكومة بإلغاء منتدى ثقافي. ومع بدء التحرر السياسي الذي لم يدم طويلاً عام 1989، كان الاعتراف بثقافة البربر قضية أساسية لحزبين سياسيين: جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، اللذين يعتمدان بشكل كبير على ناخبي منطقة القبائل، وبدرجة أقل المناطق التي يعيش فيها سكان يتحدثون اللغة البربرية. غير أن هذين الحزبين لم ينجحا في التحكم بالحركة الثقافية البربرية على صعيد القرى في المنطقة نفسها. أما الاضطراب الكبير الذي ظهر في منطقة القبائل عام 2001 فلم يكن متمحوراً حول الاعتراف باللغة والثقافة البربرية فحسب، وإنما أيضاً كان مرتكزاً على الوضع الاقتصادي الميؤوس منه، والذي اعتبرت الحكومة مسؤولة عنه، بالإضافة إلى عدم فعالية أحزاب المعارضة في إصلاح الوضع. وعلى الرغم من أعمال القمع التي تلت المظاهرات، شهدت سياسات الدولة المرتبطة بـ “القضية البربرية” تغييرات كبيرة خلال العقد الماضي. فقد تم الاعتراف باللغة الأمازيغية رسمياً كـ “لغة وطنية” عام 2002، وسُمح باستخدامها في الإعلام والتعليم.

الدين

99% تقريباً من الشعب الجزائري من المسلمين، وهناك أقليات صغيرة من المسيحيين واليهود. يتبع معظم المسلمين الجزائريين المذهب السنّي السائد في العالم الإسلامي. وهناك مجموعة صغيرة من المسلمين الذين يعيشون بشكل أساسي في منطقة مزاب بالقرب من غرداية، والذين يتبعون المذهب الإباضي الذي يتميز عن المذهبين السنّي والشيعي. يتحدر الإباضيون الجزائريون من القبائل البربرية التي كانت تشكل جزءً من الإمبراطورية الرستمية التي كانت متمركزة في منطقة تيارت في القرن الثامن .

يلعب الدين دوراً هاماً في المجتمع الجزائري كإطار ثقافي وجوانب عديدة من الحياة اليومية. في المقابل، لطالما كان دور الدين في مسائل اجتماعية وسياسية محددة متنازع عليه بشكل كبير في المجتمع والسياسات.

حاولت الحركات الإسلامية والدولة فرض تفسير الدين واستخدامه لتعزيز مكانتهم. تاريخياً، كان لمختلف مناطق الجزائر تقاليدها الخاصة. وشددت على إكرام “المرابطين”، وهم أولياء أصبحت قبورهم أماكن للعبادة. انتشر هذا النوع من الإسلام في المناطق الريفية حيث كان عدد الأشخاص القادرين على الوصول إلى المصادر الدينية المكتوبة، كالقرآن والسنّة، قليلاً. منذ أوائل القرن العشرين، نشأت حركة إصلاحية دعت إلى العودة إلى الإسلام الحرفي. رفض هذا التيار الحضري دور المرابطين كوسيط بين الله والبشر، الأمر الذي اعتبروه مخالفاً لعقيدة توحيد الله. بهذه الطريقة، أملت جمعية العلماء الإصلاحية جعل الدين قاعدة للتأكيد على الثقافة الذاتية مقابل هيمنة الثقافة الفرنسية.

بعد اندماج الجمعية مع حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم بعد حرب التحرير، حاولت الدولة السيطرة على المجال الديني. فمنعت المعارضة الدينية، ومن المحتمل أن الدولة استفادت من الدور الاجتماعي الهام للدين الإسلامي. في عهد هواري بومدين (1965-1976)، كانت رسالة القيادة أنه لم يكن هناك أي تعارض بين توجيهات الدولة الاشتراكية ودور الإسلام كديانة رسمية. وفي الثمانينيات، حاول الرئيس الشاذلي بن جديد استخدام الدين الإسلامي كسلاح ضد الأعداء اليساريين ضمن جبهة التحرير الوطني وفي التعليم والإعلام. وبسبب الافتقار إلى زعماء محليين رفيعي المستوى، لجأت الدولة إلى إحضار علماء إسلاميين من الخارج، خاصة مصر. لكن هؤلاء الدعاة كانوا في غاية التحفظ، بل متعاطفين مع الإخوان المسلمين. فقد أتيح لهم الدخول إلى الجامعات الجزائرية، كما ظهروا على القنوات التلفزيونية المحلية لنشر أفكارهم حول التفسير “المناسب” للمبادئ الإسلامية، في حين لم يحظ المعارضون العلمانيون بفرص مماثلة. وفي هذا الوضع، أصبح من الصعب على الدولة قمع أصوات المعارضة المطالبة بمجتمع يرتكز على القيم الإسلامية. لكن اختفى ذلك حالياً من الواقع الراهن، حيث اتُهمت جبهة التحرير الوطني وغيرها من المؤسسات بالفساد وإساءة استخدام السلطة، ونمط الحياة “المنحط” لزعمائها.

لم يتمكن المسؤولون الحكوميون من التحكم بانتشار غرف الصلاة غير الرسمية، حيث كان الأئمة يعظون من لم يتبعوا إيديولوجية للدولة. وفّرت “مساجد الأقبية” هذه أساساً لنشوء معارضة سياسية مرتكزة على الإسلام، خاصة بعد البروز المفاجئ للجبهة الإسلامية للإنقاذ في أوائل عام 1989.

لم تؤد العملية العسكرية ضد الجبهة الإسلامية للإنقاذ والحرب الأهلية التي نتجت عنها في التسعينيات إلى حظر كافة الأحزاب السياسية المرتكزة على الإسلام. فطالما التزمت هذه الأحزاب بالقانون القائم، فقد كانت مدعوة حتى للمشاركة في الائتلافات الحكومية، كما حصل مع “حركة مجتمع السلم“. وعلى نطاق اجتماعي أوسع، حاول الزعماء السياسيون استعادة السيطرة على المجال الديني.

نظراً إلى أهمية الإسلام بالنسبة للأغلبية، وبهدف التقليل من شأن التيارات الإسلامية، استمرت الدولة في تعزيز اعتمادها للإسلام. ومن أهم معالم هذه السياسة الواضحة هو بناء مسجد جديد وكبير في مدينة الجزائر. كما تم إنشاء مجلس من أهم علماء الشريعة الإسلامية – كخلف لجمعية العلماء ما قبل الاستقلال – للإفتاء في مسائل اجتماعية.

الأقليات

تتألف الأقلية الرئيسية من السكان من الشعوب الناطقة باللغة البربرية: 25-30%. يعيش معظمهم في منطقة القبائل وجبال الأوراس ووادي مزاب حول مدينة غرداية والصحراء الجنوبية. نزح عدد كبير منهم إلى المدن في الجزائر أو هاجروا إلى فرنسا ودول أخرى. ورغم أصولهم المشتركة، إلا أنهم مختلفين كثيراً من حيث أنماط العيش وبيئاتهم الخاصة. وبحكم قربهم من مدينة الجزائر، انخرط القبليون في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية في البلاد. وفي الواقع، تأصلت هذه الحركة المرتكزة على وعي متجدد للقضية “البربرية”، وهي رؤية مختلفة عن الدولة الجزائرية، في هذه المنطقة أكثر من منطقة الأوراس.

في المقابل، كان طوارق الصحراء الكبرى أكثر تهميشاً على الصعيد الوطني. أما في باقي دول المغرب العربي والساحل الإفريقي الأخرى التي يعيش فيها الطوارق، فقد تم إشراك الطوارق الجزائريين بشكل أكبر في الاقتصاد الوطني وأنظمة أخرى، غير أن تراجع احتمالات تمكنهم من الحفاظ على نمط حياتهم التقليدي ساهم في تعزيز مسألة تهميشهم. وغالباً ما كان الوضع الاجتماعي والاقتصادي للطوارق الذين يعيشون في مدن واحات الصحراء الكبرى أدنى من أولئك الذين نزحوا في وقت لاحق من شمال الجزائر. لكن قد يوفر إحياء السياحة في المناطق الصحراوية الجنوبية عدداً أكبر من فرص العمل. ويعتمد استمرارية هذا الاتجاه على الأوضاع السياسية والأمنية التي تؤثر على قرارات السياح المتعلقة بزيارة المنطقة.

يتميز سكان وادي مزاب البربر عن غيرهم بانتمائهم الديني في المقام الأول. ولطالما تعرض المذهب الإباضي للاضطهاد، مما دفع بأغلبية أتباعه إلى الاستقرار في مناطق نائية (توجد جماعات إباضية أخرى في جزيرة جربة التونسية وسلطنة عمان). وعلى الرغم من تاريخ انعزال هذه الجماعة، إلا أنهم أصبحوا منذ عام 1962 أكثر اندماجاً في المجتمع الجزائري، مع تحول عدد كبير منهم إلى تجار ناجحين. وقد يكون هذا أحد أسباب احتدام التوتر في بعض الأحيان بينهم وبين السكان العرب الذين استقروا لاحقاً في منطقة مزاب.

هناك أقليات صغيرة من المسيحيين واليهود في الجزائر. يتألف المسيحيون بغالبيتهم من ذرية المستعمرين، وأيضاً مرتدين عن الإسلام، على الرغم من أن الزعماء الدينيين ومسؤولي الدولة ينكرون ذلك. وهناك مجوعة ثالثة من المسيحيين الذين هاجروا من غرب إفريقيا إلى الجزائر. وشكّلت الجماعة اليهودية جزءً مما يعرف اليوم بالجزائر لأكثر من ألفي عام. بموجب القانون الفرنسي، كان اليهود يعتبرون مواطنين يتمتعون بكامل الحقوق كالأوربيين، الأمر الذي كان متعارضاً بشكل واضح مع وضع الأغلبية المسلمة المحرومة من حقوقها. وخلال حرب الاستقلال وبعدها، غادر معظم اليهود الجزائريين البلاد متجهين بشكل أساسي إلى فرنسا وإسرائيل.

تتألف الأقلية الرئيسية من السكان من الشعوب الناطقة باللغة البربرية: 25-30%. يعيش معظمهم في منطقة القبائل وجبال الأوراس ووادي مزاب حول مدينة غرداية والصحراء الجنوبية. نزح عدد كبير منهم إلى المدن في الجزائر أو هاجروا إلى فرنسا ودول أخرى. ورغم أصولهم المشتركة، إلا أنهم مختلفين كثيراً من حيث أنماط العيش وبيئاتهم الخاصة. وبحكم قربهم من مدينة الجزائر، انخرط القبليون في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية في البلاد. وفي الواقع، تأصلت هذه الحركة المرتكزة على وعي متجدد للقضية “البربرية”، وهي رؤية مختلفة عن الدولة الجزائرية، في هذه المنطقة أكثر من منطقة الأوراس.

في المقابل، كان طوارق الصحراء الكبرى أكثر تهميشاً على الصعيد الوطني. أما في باقي دول المغرب العربي والساحل الإفريقي الأخرى التي يعيش فيها الطوارق، فقد تم إشراك الطوارق الجزائريين بشكل أكبر في الاقتصاد الوطني وأنظمة أخرى، غير أن تراجع احتمالات تمكنهم من الحفاظ على نمط حياتهم التقليدي ساهم في تعزيز مسألة تهميشهم. وغالباً ما كان الوضع الاجتماعي والاقتصادي للطوارق الذين يعيشون في مدن واحات الصحراء الكبرى أدنى من أولئك الذين نزحوا في وقت لاحق من شمال الجزائر. لكن قد يوفر إحياء السياحة في المناطق الصحراوية الجنوبية عدداً أكبر من فرص العمل. ويعتمد استمرارية هذا الاتجاه على الأوضاع السياسية والأمنية التي تؤثر على قرارات السياح المتعلقة بزيارة المنطقة.

يتميز سكان وادي مزاب البربر عن غيرهم بانتمائهم الديني في المقام الأول. ولطالما تعرض المذهب الإباضي للاضطهاد، مما دفع بأغلبية أتباعه إلى الاستقرار في مناطق نائية (توجد جماعات إباضية أخرى في جزيرة جربة التونسية وسلطنة عمان). وعلى الرغم من تاريخ انعزال هذه الجماعة، إلا أنهم أصبحوا منذ عام 1962 أكثر اندماجاً في المجتمع الجزائري، مع تحول عدد كبير منهم إلى تجار ناجحين. وقد يكون هذا أحد أسباب احتدام التوتر في بعض الأحيان بينهم وبين السكان العرب الذين استقروا لاحقاً في منطقة مزاب.

هناك أقليات صغيرة من المسيحيين واليهود في الجزائر. يتألف المسيحيون بغالبيتهم من ذرية المستعمرين، وأيضاً مرتدين عن الإسلام، على الرغم من أن الزعماء الدينيين ومسؤولي الدولة ينكرون ذلك. وهناك مجوعة ثالثة من المسيحيين الذين هاجروا من غرب إفريقيا إلى الجزائر. وشكّلت الجماعة اليهودية جزءً مما يعرف اليوم بالجزائر لأكثر من ألفي عام. بموجب القانون الفرنسي، كان اليهود يعتبرون مواطنين يتمتعون بكامل الحقوق كالأوربيين، الأمر الذي كان متعارضاً بشكل واضح مع وضع الأغلبية المسلمة المحرومة من حقوقها. وخلال حرب الاستقلال وبعدها، غادر معظم اليهود الجزائريين البلاد متجهين بشكل أساسي إلى فرنسا وإسرائيل.

البنية الاجتماعية والاقتصادية

كان لهيكلية الاقتصاد الاستعماري تأثير على البنية الاجتماعية والاقتصادية للسكان. وكان أغلبية الجزائريين من خلفيات ريفية، لكن بعد إرغامهم على التنازل عن معظم الأراضي الخصبة لم يكن أمامهم أي خيار سوى العمل في مؤسسات المستعمرين الفرنسيين أو الكفاح كمنتجين محدودين في مناطق نائية. بعد عام 1962، أدت سياسة الدولة للتصنيع السريع إلى نشوء وظائف حديثة وطبقات إدارية بالإضافة إلى انتشار مفهوم البيروقراطية الوطنية على نطاق واسع. ولطالما كان هناك طبقة وسطى تتألف من أصحاب الشركات الخاصة والمحترفين الذين يعملون لحسابهم الخاص، حتى في عصر الاشتراكية الجزائرية.

مع تزايد الصعوبات التي واجهتها الشركات الحكومية، تمكن القطاع الخاص من النمو. وفي كثير من الحالات، تولى إدارة هذه الشركات كوادر حكومية سابقة، وغالباً عسكريين سابقين، والذين انتهزوا الفرص استناداً إلى مناصبهم السابقة. لم تتمكن عمليات الخصخصة هذه من تعويض النقص في الوظائف المرتبط بالاقتصاد المرتكز على النفط.

نتيجة لذلك، وحتى ولو قبلنا بنسبة 10% من العاطلين عن العمل كأرقام رسمية، إلا أن البطالة لا تزال تطال مجموعة كبيرة، خاصة الشباب: حوالي 20%. ورواتب عدد كبير من الموظفين غير كافية. شكّل ذلك عاملاً رئيسياً لدعم اقتصاد غير رسمي يساهم على الأقل في إيجاد بعض الوظائف وفرص العمل. يحاول الكثيرون كسب معيشتهم من خلال العمل كبائعين جوالين لسلع استهلاكية مثل النظارات الشمسية أو الأحزمة أو الفواكه التي تباع بأسعار متدنية في الكثير من المدن، وتشمل العمليات المعقدة الحصول غير الشرعي على مواد يتم إنتاجها في القطاع العام بغرض تصنيع السلع الاستهلاكية. وتعتمد الطبقات الاجتماعية الأكثر ثراء على مشاريع تجارية لا تزال مرتبطة بالدولة وشبكات علاقات مع فئات سياسية وإدارية عليا.

توزيع الدخل والفقر

لم تتمكن مبادئ المساواة التي دعت إليها الثورة الجزائرية والحقبة الاشتراكية التي تلتها من الحد من التفاوت الكبير في توزيع الدخل: هذا ما كان عليه الحال في ذلك الوقت وهو أكثر جلاءً اليوم. تستحوذ 10% من الطبقة العليا على 30% تقريباً من إجمالي ثروات البلاد. ونتيجة لذلك، تختلف أنماط المعيشة بشكل كبير بين الطبقات الاجتماعية. وهذا الأمر واضح بشكل خاص في ضواحي المدن الرئيسية التي تضم الأحياء المهمشة والميسورة. ولا تعني “الثروة” فقط التمكن من الحصول على السلع الاستهلاكية، وإنما أيضاً القدرة على السفر إلى الخارج والحصول على التعليم الخاص. وبالنسبة إلى الطبقات الأدنى، فمن الواضح أنها غير قادرة على تأمين هذه الأمور، الأمر الذي يؤدي إلى انتقال هذه التفاوتات إلى الأجيال القادمة. دفع اليأس بعدد كبير من الشباب إلى تعريض حياتهم للخطر عن طريق الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط أو الانتحار. ودفع انتحار البائع التونسي المتجول محمد بوعزيزي حرقاً، والذي أشعل الثورة التونسية عام 2011، بالجزائريين إلى القيام بالفعل نفسه.

انخفض معدل الفقر خلال العقد الأخير بشكل عام. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز في السوق العالمية، مما أدى إلى ارتفاع دخل الدولة وتزايد النفقات العامة. كما أتاح ذلك للحكومة رفع الأجور، الأمر الذي كان له دافع سياسي أيضاً. وبعد رفع الأجور بنسبة 30% عام 2009، أدت الثورات في أماكن أخرى من إفريقيا الشمالية وتداعياتها المحلية إلى زيادة جديدة في السنوات الأخيرة (على سبيل المثال 20% في كانون الثاني/يناير وحده)، في حين أدت التخفيضات السابقة في نفقات القطاع العام إلى تفشي البطالة في صفوف عدد كبير العمال أو استخدامهم بشكل غير مناسب.